تراجع تاريخي داخل «فيفا».. إنفانتينو يسحب خطة بيع جزء من كأس العالم بعد تمرد كروي عالمي
ضغوط غير مسبوقة تُجبر رئيس «فيفا» على التخلي عن مشروع استثماري مثير للجدل.. ساحل العاج تفتح صفحة جديدة بعد رحيل إيمرس فايي.. وكرة القدم تودّع الأسطورة فرانكو باريزي
في واحدة من أكثر اللحظات إثارة في تاريخ الاتحاد الدولي لكرة القدم، اضطر رئيس الاتحاد الدولي جياني إنفانتينو إلى التراجع عن مشروع استثماري أثار عاصفة من الانتقادات داخل أروقة كرة القدم العالمية، بعدما واجه رفضاً واسعاً من الاتحادات القارية والوطنية والأندية، بل وحتى من مسؤولين كبار داخل «فيفا» نفسه.
وكان إنفانتينو يسعى إلى فتح الباب أمام مستثمرين من القطاع الخاص لشراء حصة من النشاط التجاري المرتبط بكأس العالم، في خطوة اعتبرها مؤيدوه وسيلة لزيادة الموارد المالية وتطوير اللعبة عالمياً، بينما وصفها معارضوه بأنها تجاوزٌ لـ«الخط الأحمر» الذي يحمي هوية البطولة الأغلى في عالم الرياضة.
ويمثل هذا التراجع إحدى أقسى النكسات السياسية التي تعرض لها إنفانتينو منذ توليه رئاسة «فيفا»، ويعيد إلى الواجهة تساؤلات متزايدة حول أسلوب إدارة الاتحاد الدولي، وطموحاته التجارية، ومستقبل قيادته قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وفي الوقت نفسه، شهدت كرة القدم الأفريقية تحولاً بارزاً مع إعلان رحيل مدرب منتخب ساحل العاج، فيما خيم الحزن على إيطاليا بعد وفاة أحد أعظم المدافعين في تاريخ اللعبة، فرانكو باريزي.
تمرد عالمي يُجبر «فيفا» على التراجع
بعد أيام قليلة فقط من الكشف عن خطة لإنشاء ذراع تجارية جديدة تتولى إدارة الحقوق الاقتصادية لأكبر بطولات «فيفا»، وفي مقدمتها كأس العالم للرجال والسيدات، أعلن إنفانتينو رسمياً سحب المشروع وعدم المضي في تنفيذه.
واعترف رئيس «فيفا» بأن المبادرة أحدثت انقساماً واسعاً داخل مجتمع كرة القدم العالمي، مؤكداً أن المشروع تحول من وسيلة لتطوير اللعبة إلى مصدر للخلاف، الأمر الذي جعل من المستحيل تحقيق أهدافه المعلنة.
ويمثل القرار تراجعاً لافتاً عن مشروع سبق أن روّج له الاتحاد الدولي باعتباره تحولاً اقتصادياً ضخماً يمكن أن يدر مليارات الدولارات لتمويل برامج تطوير كرة القدم حول العالم.
المشروع الذي أشعل غضب كرة القدم العالمية
تمحورت الخطة حول إنشاء شركة تجارية جديدة تحمل اسم FIFA Forward Enterprise (FFE)، تتولى إدارة الحقوق التجارية الخاصة ببطولات الاتحاد الدولي.
وكان المشروع يتضمن:
- بيع نحو ٢٠٪ من أسهم الشركة لمستثمرين من القطاع الخاص.
- تقييم الشركة الجديدة بنحو ٢٠ مليار دولار.
- جمع ما يقارب ٤٫٢ مليارات دولار فور إتمام الصفقة.
- تخصيص العائدات لتمويل برامج تطوير كرة القدم وزيادة الدعم المالي لجميع الاتحادات الوطنية الأعضاء وعددها ٢١١ اتحاداً.
ورأى إنفانتينو أن المشروع سيحرر الإمكانات الاقتصادية الهائلة لكأس العالم دون التخلي عن السيطرة الرياضية على البطولة.
لكن منتقديه اعتبروا أن الأمر يتجاوز مجرد تطوير تجاري، ليصل إلى تحويل أهم بطولة كروية في العالم إلى أصل استثماري يخضع لمنطق الأسواق المالية.
“يويفا” يرسم الخط الأحمر
جاءت المعارضة سريعاً ومن مختلف أنحاء كرة القدم الدولية.
وقاد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا” حملة الرفض، مؤكداً أن البطولات العالمية لا ينبغي أن تتحول إلى أصول تجارية قابلة لامتلاك المستثمرين.
واعتبر مسؤولون أوروبيون أن كأس العالم يمثل إرثاً رياضياً وإنسانياً عالمياً، وليس مشروعاً مالياً يمكن عرض جزء منه للبيع.
وحذروا من أن مثل هذه الخطوة قد تضعف استقلالية إدارة اللعبة وتفتح الباب أمام نفوذ المستثمرين في صناعة القرار الكروي.
كما أشارت تقارير إلى أن «يويفا» ناقش حتى احتمال اتخاذ خطوات تصعيدية، من بينها مقاطعة بعض بطولات «فيفا» إذا استمر المشروع.
ولم يقتصر الرفض على أوروبا، إذ أبدت اتحادات كبرى مثل اتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي (كونكاكاف)، إضافة إلى الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، تحفظات جدية، ما زاد من عزلة الاتحاد الدولي.
أزمة داخل أروقة “فيفا”
لم تقتصر العاصفة على الانتقادات الخارجية.
فقد كشفت تقارير عن اعتراضات داخلية من مسؤولين كبار في «فيفا» بشأن مضمون المشروع وآلية إعداده.
كما تحدثت تقارير عن استقالات داخل المؤسسة، من بينها استقالة المستشار البارز كارلوس كورديرو، إضافة إلى انتقادات واسعة لطريقة التشاور الداخلي قبل الإعلان عن الخطة.
ويرى مراقبون أن الأزمة كشفت حجم التوتر المتصاعد داخل الاتحاد الدولي بشأن توجهاته التجارية المتسارعة.
ضربة سياسية قاسية لإنفانتينو
أصبح المشروع الفاشل واحداً من أكثر الملفات إحراجاً في مسيرة جياني إنفانتينو.
فمنذ توليه رئاسة «فيفا»، قاد سلسلة من الإصلاحات والتوسعات الكبرى، شملت:
- زيادة عدد منتخبات كأس العالم.
- توسيع بطولة كأس العالم للأندية.
- مضاعفة الشراكات والرعايات التجارية.
ويرى أنصار إنفانتينو أن هذه السياسات رفعت إيرادات الاتحاد الدولي إلى مستويات غير مسبوقة، وساهمت في تعزيز برامج تطوير اللعبة عالمياً.
لكن منتقديه يعتبرون أن محاولة بيع جزء من النشاط التجاري للمونديال كشفت عن توجه يضع الاعتبارات المالية فوق المبادئ التقليدية التي قامت عليها كرة القدم.
ورغم تأكيد إنفانتينو التزامه بوحدة اللعبة وتطويرها، يرى محللون أن هذه الأزمة قد تؤثر في موازين القوى السياسية داخل «فيفا» قبل الانتخابات المقبلة.
ساحل العاج تطوي صفحة المدرب البطل
وبينما كان الاتحاد الدولي يواجه عاصفة سياسية، شهدت القارة الأفريقية تطوراً لافتاً بإعلان الاتحاد الإيفواري لكرة القدم عدم تجديد عقد المدير الفني إيمرس فايي مع انتهاء عقده في الأول من أغسطس.
ويغادر فايي منصبه بعد واحدة من أنجح الفترات التدريبية في تاريخ منتخب الأفيال.
فقد قاد ساحل العاج إلى التتويج التاريخي بكأس الأمم الأفريقية ٢٠٢٤، في واحدة من أعظم قصص العودة في البطولة، قبل أن يقود المنتخب إلى مشاركة قوية في كأس العالم عززت مكانته بين أبرز منتخبات القارة.
ورحيله يفتح الباب أمام أحد أكثر المناصب التدريبية جاذبية في كرة القدم الأفريقية.
إيطاليا تودّع أسطورة الدفاع فرانكو باريزي
وفي إيطاليا، خيم الحزن على الوسط الكروي بعد وفاة الأسطورة فرانكو باريزي عن عمر ناهز ٦٦ عاماً.
ويُعد باريزي واحداً من أعظم المدافعين في تاريخ كرة القدم، بعدما صنع مجداً استثنائياً مع نادي إي سي ميلان والمنتخب الإيطالي.
اشتهر بقيادته الملهمة، وذكائه التكتيكي، وأناقته في اللعب، وقدرته الفريدة على قراءة المباريات.
وخلال مسيرته، توج بالعديد من الألقاب المحلية والقارية، وترك بصمة خالدة جعلته مرجعاً لأجيال من المدافعين حول العالم.
وسرعان ما انهالت رسائل التعزية من الأندية والاتحادات واللاعبين السابقين والحاليين، تكريماً لمسيرة أحد أعظم رموز اللعبة.
كرة القدم عند مفترق طرق
تعكس هذه التطورات الثلاثة حجم التحولات التي تعيشها كرة القدم العالمية.
فالتراجع التاريخي لـ«فيفا» عن مشروعه الاستثماري كشف حجم الصراع بين الطموحات التجارية والحفاظ على القيم التقليدية للعبة.
أما رحيل إيمرس فايي فيؤذن ببداية مرحلة جديدة لأحد أقوى المنتخبات الأفريقية، بينما يعيد رحيل فرانكو باريزي إلى الأذهان زمناً كانت فيه أساطير اللعبة رمزاً للوفاء والانضباط والهوية الرياضية.
وبين السياسة والاقتصاد والتنافس الرياضي والإرث التاريخي، تجد كرة القدم نفسها أمام مرحلة مفصلية قد تعيد رسم ملامح إدارتها ومستقبلها.
وبعد هذا التراجع الكبير، يبدو أن مستقبل الاتحاد الدولي لن يعتمد فقط على ابتكار مصادر جديدة للإيرادات، بل على قدرته في استعادة ثقة الاتحادات القارية والوطنية والحفاظ على المكانة التاريخية لأهم بطولة كروية في العالم.




