الصواريخ تعود إلى كييف بعد هدنة ثلاثة أيام… ومبادرة ترامب للسلام أمام اختبار حاسم
روسيا تستأنف القصف بعد مغادرة مبعوثي ترامب، الدبلوماسية تتقدم خطوة، والصواريخ تعيد الحرب إلى الواجهة، هل انهارت هدنة السلام؟
عادت صفارات الإنذار إلى سماء كييف.
ثم جاءت الانفجارات.
بعد توقف استمر ثلاثة أيام، استأنفت روسيا فجر الثلاثاء هجماتها على العاصمة الأوكرانية، مستخدمة صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، وذلك بعد وقت قصير من مغادرة المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر الأراضي الأوكرانية.
وبحسب رويترز، أُصيب ستة أشخاص، واندلعت حرائق في مناطق عدة من كييف، فيما أدى حطام المقذوفات إلى إلحاق أضرار بمبنى سكني من خمسة طوابق وآخر من ثلاثة طوابق. ودعت السلطات السكان إلى الاحتماء.
التوقيت كان لافتاً.
فالهجوم جاء مباشرة بعد جولة دبلوماسية أميركية هدفت إلى إعادة فتح الطريق نحو مفاوضات لإنهاء الحرب، ليبدو أفق السلام أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
الدبلوماسيون غادروا… والصواريخ عادت.
من موسكو إلى كييف… ثم العودة إلى ساحة الحرب
كان ويتكوف وكوشنر قد التقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، قبل انتقالهما إلى كييف للقاء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
ووصف الجانب الأميركي المحادثات بأنها جدية ومشجعة، لكن الجولة لم تنتج اتفاق سلام أو اختراقاً حاسماً.
وتسعى واشنطن إلى إعادة إطلاق مفاوضات تجمع الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، فيما قال الكرملين إنه لا يستبعد استئناف المحادثات الثلاثية، وإن كان يعتبر الحديث عن موعد أو مكان الجولة المقبلة سابقاً لأوانه.
لكن المشكلة الأساسية لم تختفِ.
فالقضايا الأكثر حساسية، وعلى رأسها الأراضي، وضمانات الأمن، ومستقبل علاقة أوكرانيا بحلف الناتو، لا تزال تعرقل الوصول إلى تسوية نهائية.
وبينما تستمر الاتصالات، تستمر الحرب أيضاً.
كييف لا تحصل على هدنة حقيقية
الهجوم الأخير يأتي بعد تصعيد جوي متواصل ضد العاصمة ومناطق أوكرانية أخرى.
وتشير تقارير حديثة إلى أن روسيا كثفت استخدام الطائرات المسيّرة، بما فيها مسيّرات نفاثة يصعب اعتراضها، إلى جانب الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز. وقد تسببت الضربات المتكررة في اضطراب الحياة اليومية، وأثرت على البنية التحتية والإمدادات والخدمات.
وفي ٤ سبتمبر/أيلول، أصابت طائرة مسيّرة روسية مقر جهاز الأمن الأوكراني في وسط كييف، في هجوم وصفته السلطات الأوكرانية بأنه تصعيد خطير، وأوقع إصابات.
وهكذا لم تعد الهجمات مجرد ضربات متفرقة.
إنها حملة ضغط جوي متواصلة على العاصمة، في وقت تحاول فيه واشنطن دفع موسكو وكييف إلى طاولة المفاوضات.
الحرب تقترب أكثر من حدود الناتو
لم يتوقف تأثير الهجوم عند الحدود الأوكرانية.
فمع تجدد الضربات الروسية، اتخذت بولندا إجراءات عسكرية لحماية مجالها الجوي تحسباً لأي تهديد محتمل.
وتكشف هذه الخطوة أحد أخطر جوانب الحرب: كل موجة صاروخية كبيرة تحمل معها احتمال سقوط حطام أو انحراف مسار مقذوف أو وقوع حادث قد يدفع المواجهة إلى الاقتراب من أراضي حلف شمال الأطلسي.
بالنسبة إلى أوروبا الشرقية، لم تعد الحرب الجوية في أوكرانيا قضية أوكرانية فقط.
أوكرانيا تضرب في عمق روسيا
وفي الاتجاه المعاكس، تواصل أوكرانيا استخدام الطائرات المسيّرة لضرب أهداف داخل الأراضي الروسية.
وأفادت رويترز بأن هجوماً أوكرانياً بطائرات مسيّرة في ساراتوف تسبب في إصابات وأضرار بالبنية التحتية، في منطقة تضم منشآت صناعية وعسكرية مهمة، بينها مصفاة نفط تابعة لشركة روسنفت.
وتأتي هذه الهجمات ضمن نمط متصاعد: موسكو تضرب البنية التحتية والمدن الأوكرانية، بينما توسع كييف قدرتها على الوصول إلى أهداف عسكرية وصناعية بعيدة داخل روسيا.
الهدف لم يعد فقط تحقيق مكاسب على خطوط الجبهة.
بل رفع كلفة الحرب في عمق أراضي الخصم.
الدبلوماسية حية… لكن الحرب أعلى صوتاً
المفارقة الكبرى في المشهد الحالي واضحة:
واشنطن تتحدث عن السلام، بينما كييف تتعرض للقصف.
فالكرملين لا يغلق الباب أمام استئناف المفاوضات، والولايات المتحدة تحاول تقريب المواقف، فيما يريد زيلينسكي دعماً أميركياً وغربياً أكبر للدفاع الجوي والاستعداد لفصل الشتاء.
لكن لا تزال هناك فجوة كبيرة بين مواقف الطرفين.
روسيا تريد تنازلات إقليمية وأمنية واسعة، بينما ترفض أوكرانيا التخلي عن أراضٍ وتطالب بضمانات أمنية موثوقة لأي اتفاق مستقبلي.
وهنا تصطدم مبادرة ترامب بأصعب اختبار لها:
كيف يمكن بناء السلام بينما تستمر الحرب في الوقت نفسه؟
الشتاء… المعركة المقبلة؟
مع اقتراب الشتاء، يزداد القلق الأوكراني من عودة استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية.
وتدفع كييف باتجاه الحصول على كميات أكبر من منظومات الدفاع الجوي والمساعدات اللازمة لحماية الكهرباء والتدفئة والخدمات الأساسية.
كما تبحث واشنطن، وفق Axios، في إجراءات يمكن أن تساعد على خفض التصعيد خلال الشتاء، في وقت تطالب فيه كييف بحزمة دعم أوسع.
إذا تصاعدت الضربات على منشآت الطاقة مع انخفاض درجات الحرارة، فقد تتحول أشهر الشتاء إلى جبهة استراتيجية جديدة في الحرب.
وهنا قد تصبح الطاقة والدفاع الجوي والقدرة على الصمود المدني أوراقاً تفاوضية بقدر ما هي احتياجات إنسانية.
ثلاثة أيام من الهدوء… ثم عودة الصواريخ
لثلاثة أيام فقط، حصلت كييف على شيء أصبح نادراً: الهدوء النسبي.
وصل المفاوضون الأميركيون.
التقى بوتين مبعوثي ترامب في موسكو.
ثم التقى زيلينسكي بهما في كييف.
وبدأت واشنطن تتحدث عن إعادة إحياء المسار الثلاثي.
ثم انتهت الهدنة.
وعادت الصواريخ إلى العاصمة.
وفي الوقت نفسه، واصلت أوكرانيا ضرب أهداف في عمق روسيا، فيما تحركت بولندا لحماية مجالها الجوي.
وهكذا اصطدمت طاولة المفاوضات بصوت الحرب مرة أخرى.
السلام قد يكون أقرب دبلوماسياً… وأبعد عسكرياً
قد تكون إدارة ترامب نجحت في إعادة فتح قناة دبلوماسية كانت شبه مجمدة، وقد تكون موسكو وواشنطن وكييف أمام فرصة جديدة لاستئناف الحوار.
لكن الضربة التي هزت كييف بعد مغادرة المبعوثين الأميركيين تحمل رسالة قاسية:
يمكن إعادة بناء طاولة المفاوضات خلال ساعات… لكن إنهاء الحرب يحتاج إلى أكثر بكثير.
فإما أن تتحول الاتصالات الأخيرة إلى بداية لمسار تفاوضي حقيقي، أو تصبح مجرد هدنة أخرى بين موجتين من الصواريخ.





