جحيم فرنسا.. الأمة تلتقط أنفاسها لكن موسم الحرائق لم ينتهِ بعد
استقرار حريق بوردو بعد التهام ٤٢ ألف هكتار.. أوكرانيا ترسل فرق إنقاذ إلى فرنسا ومئات الموقوفين بشبهة إشعال الحرائق عمداً وسط تحذيرات من مستقبل أكثر اشتعالاً في أوروبا
بعد أيام من الكارثة التي حوّلت مساحات شاسعة من جنوب غرب فرنسا إلى مشهد يشبه نهاية العالم، بدأت السلطات الفرنسية تتحدث للمرة الأولى عن مؤشرات حقيقية على احتواء أكبر حرائق الغابات التي شهدتها البلاد هذا الصيف. إلا أن هذا الهدوء النسبي يخفي وراءه أزمة أكثر عمقاً، إذ لا تزال فرنسا تواجه واحدة من أخطر موجات الحرائق في تاريخها الحديث، بينما تتوسع التحقيقات الجنائية في مئات قضايا الاشتباه بإشعال النيران عمداً، وسط تحذيرات علمية متزايدة من أن أوروبا تدخل عصراً جديداً من “الحرائق العملاقة“.
وفي الوقت الذي يواصل فيه رجال الإطفاء معركتهم ضد البؤر المشتعلة قرب مدينة بوردو، وصلت إلى فرنسا تعزيزات غير متوقعة من أوكرانيا، التي قررت إرسال فرق إنقاذ متخصصة رغم استمرار الحرب على أراضيها، في خطوة تعكس حجم الكارثة التي تواجهها أوروبا، وتؤكد أن مكافحة حرائق الغابات أصبحت تحدياً عابراً للحدود.
لقد تحولت هذه الأزمة إلى قصة تجمع بين البطولة الإنسانية، والتحقيقات الجنائية، والتضامن الدولي، والإنذار المناخي، لتصبح إحدى أبرز الأزمات الأوروبية خلال عام ٢٠٢٦.
حريق بوردو يتراجع بعد أن التهم ٤٢ ألف هكتار
أعلنت سلطات الطوارئ الفرنسية تحقيق تقدم مهم في السيطرة على الحريق الضخم الذي اجتاح إقليم جيروند قرب مدينة بوردو، بعدما ساعدت الظروف الجوية المواتية خلال ساعات الليل فرق الإطفاء على تطويق معظم الجبهات النشطة.
وقد أتت النيران حتى الآن على نحو ٤٢ ألف هكتار، أي ما يزيد على ١٠٣ آلاف فدان، فيما تؤكد السلطات أن الحريق أصبح “مستقراً”، لكنه لم يُخمد بالكامل.
ويحذر المسؤولون من أن استقرار الحريق لا يعني انتهاء الخطر، إذ ما تزال بؤر نارية مخفية تحت الغطاء النباتي، يمكن أن تعود للاشتعال مع أي ارتفاع جديد في درجات الحرارة أو تغير في اتجاه الرياح.
وأوضح قائد عمليات الإطفاء مارك فيرمولين أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة، مشيراً إلى أن مستقبل الحريق سيتحدد وفق عدة عوامل رئيسية، أبرزها:
- استمرار وجود البؤر المشتعلة تحت سطح التربة.
- الأحوال الجوية خلال الأيام المقبلة.
- سرعة الرياح واتجاهاتها.
- مستوى جفاف الغطاء النباتي.
- توافر فرق الإطفاء والمعدات اللازمة.
إجلاء أكثر من ٢٢٤ ألف شخص… وقرى بأكملها أُفرغت خلال ساعات
أدى حريق بوردو إلى تنفيذ واحدة من أكبر عمليات الإجلاء المدني التي شهدتها فرنسا منذ عقود.
وخلال ذروة الأزمة:
- تم إجلاء أكثر من ٢٢٤ ألف شخص.
- أُخليت بلدات كاملة خلال ساعات قليلة.
- أُغلقت طرق ومحاور رئيسية.
- فُتحت عشرات مراكز الإيواء في جنوب غرب البلاد.
ومع تحسن الوضع، سمحت السلطات لأكثر من نصف النازحين بالعودة إلى منازلهم في اثنتي عشرة بلدية.
لكن العودة لم تكن سهلة، إذ وجد كثير من السكان أحياءهم وقد تغيرت ملامحها بالكامل.
فالحرائق:
- دمرت أكثر من ٢٠٠ منزل.
- قضت على مساحات واسعة من الغابات.
- أودت بحياة ثلاثة رجال إطفاء أثناء أداء واجبهم في حماية السكان.
٣٠٨ موقوفين… وفرنسا تشن أكبر حملة ضد مفتعلي الحرائق
وبينما كانت فرق الإطفاء تخوض معركتها مع النيران، فتحت الشرطة الفرنسية جبهة أخرى ضد المتورطين في إشعالها.
وكشف وزير الداخلية لوران نونيز أن السلطات أوقفت ٣٠٨ أشخاص منذ بداية موجة الحرائق.
وبحسب الوزير:
- نحو ثلثي الموقوفين يشتبه في تورطهم بإشعال الحرائق عمداً.
- ٣٣ شخصاً أُودعوا السجن، سواء احتياطياً أو بعد صدور أحكام بحقهم.
- عدد من المتهمين بدأ بالفعل تنفيذ عقوبات سالبة للحرية.
وتصف الحكومة الفرنسية هذه الحملة بأنها واحدة من أكبر عمليات الملاحقة الجنائية المرتبطة بحرائق الغابات في تاريخ البلاد.
كما كثفت السلطات الدوريات الأمنية في الغابات والمتنزهات والمناطق الريفية، إضافة إلى استخدام الطائرات المسيّرة، والمراقبة الجوية، وتقنيات التحليل الجنائي لتحديد مصادر الاشتعال.
التحقيقات: ليست كل الحرائق متعمدة
ورغم الارتفاع اللافت في قضايا الاشتباه بالحرق العمد، يؤكد المحققون أن عدداً من أكبر الحرائق كان نتيجة حوادث عرضية.
وتشير التحقيقات الأولية إلى أن بعض الكوارث بدأت بسبب أنشطة بشرية اعتيادية.
حريق بوردو
يرجح المحققون أن أعمال تنظيف للأعشاب أسفل خطوط كهرباء ذات ضغط عالٍ، نفذها متعهد يعمل لصالح شركة Enedis، كانت الشرارة الأولى للحريق.
حريق إقليم لاند
اندلع الحريق قرب مدينة بيسكاروس بعد احتراق مركبة على طريق محلي، قبل أن تمتد النيران بسرعة إلى الغطاء النباتي الجاف.
غابة فونتانبلو
أما الحريق الذي ضرب غابة فونتانبلو جنوب شرقي باريس، فيُعتقد أنه بدأ نتيجة شرارات صدرت عن آلة قطع معدنية تعمل بالبنزين أثناء إصلاح حاجز على الطريق السريع، لتنتقل النيران بسرعة إلى الغابة المجاورة.
ويؤكد المسؤولون أن هذه الحوادث تظهر كيف يمكن لأنشطة يومية عادية أن تتحول إلى كوارث بيئية في ظل الحرارة القياسية والجفاف الشديد.
أوكرانيا ترسل رجال إطفاء إلى فرنسا رغم استمرار الحرب
في واحدة من أكثر محطات الأزمة لفتاً للانتباه، أعلنت كييف إرسال فرق إنقاذ إلى فرنسا رغم استمرار الحرب الروسية الأوكرانية.
وأكد وزير الداخلية الأوكراني إيفان فيهيفسكي إرسال:
- ٧٠ رجل إنقاذ متخصصاً.
- ١٥ آلية ومركبة إطفاء متخصصة.
وأوضح المسؤولون الأوكرانيون أن فرقهم اكتسبت خبرة استثنائية في التعامل مع الدمار الناتج عن الضربات الصاروخية والهجمات بالطائرات المسيّرة وانهيار المباني والاستجابة للطوارئ واسعة النطاق، وهو ما يجعلها مؤهلة للعمل في أكثر البيئات خطورة وتعقيداً.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس تنامي التعاون الأوروبي في مواجهة الكوارث، حتى في ظل استمرار الحرب على الأراضي الأوكرانية.
تحذير مناخي يتحول إلى واقع
يرى العلماء أن ما يحدث في فرنسا ليس حادثة معزولة، بل جزء من تحول مناخي واسع يضرب القارة الأوروبية.
فخلال الأشهر الأخيرة اجتمعت عدة عوامل خطيرة، منها:
- درجات حرارة قياسية.
- موجات جفاف غير مسبوقة.
- انخفاض شديد في الرطوبة.
- رياح قوية.
- غطاء نباتي شديد الجفاف.
هذه الظروف خلقت بيئة مثالية لاندلاع حرائق هائلة يصعب السيطرة عليها.
وتشير أحدث الدراسات إلى أن أوروبا، التي تُعد أسرع قارات العالم احتراراً، تدخل مرحلة جديدة من “الحرائق العملاقة”.
كما توصل الباحثون إلى أن:
- عدد أيام الصيف الملائمة لاندلاع حرائق شديدة تضاعف أكثر من مرتين منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.
- جنوب أوروبا أصبح أكثر عرضة للحرائق من أي وقت مضى.
- التغير المناخي رفع بشكل كبير احتمالات نشوء ظروف مناخية مواتية للحرائق.
- وفي حال استمرار الانبعاثات الحالية، قد يتضاعف عدد الحرائق المتطرفة في أوروبا حتى عشر مرات قبل نهاية القرن.
ويؤكد عالم الغلاف الجوي راؤول كورديرو أن هذه الزيادة لا يمكن تفسيرها بالتقلبات الطبيعية للمناخ، بل تُعد نتيجة مباشرة للاحترار العالمي.
أوروبا تواجه جبهة نار تمتد عبر القارة
لم تعد فرنسا وحدها في مواجهة الكارثة.
فخلال موسم حرائق ٢٠٢٦ شهدت دول عديدة حرائق واسعة، من بينها:
- إسبانيا.
- البرتغال.
- إيطاليا.
- اليونان.
- كرواتيا.
- تركيا.
- قبرص.
ودفعت هذه التطورات الاتحاد الأوروبي إلى توسيع آليات التعاون في مجال الحماية المدنية، بما يسمح بإرسال الطائرات والمروحيات وفرق الإطفاء بين الدول بسرعة أكبر لمواجهة الحرائق المتزامنة.
ويجسد وصول فرق الإنقاذ الأوكرانية إلى فرنسا هذا التحول، حيث أصبحت مكافحة حرائق الغابات قضية أمن أوروبي مشترك، وليست مجرد أزمة وطنية.
إعادة الإعمار… معركة قد تستمر سنوات
ورغم انحسار النيران قرب بوردو، يحذر الخبراء من أن مرحلة التعافي ستكون طويلة ومكلفة.
وتواجه السلطات الفرنسية تحديات ضخمة تشمل:
- إعادة إعمار القرى والمنازل المدمرة.
- ترميم الغابات والأنظمة البيئية.
- دعم السكان المتضررين.
- استكمال التحقيقات الجنائية.
- تعزيز إجراءات الوقاية من الحرائق.
- رفع قدرة البلاد على مواجهة آثار التغير المناخي.
كما يحذر خبراء البيئة من أن الأراضي المحترقة ستصبح أكثر عرضة للفيضانات والانجراف وفقدان التنوع البيولوجي والتدهور البيئي لسنوات مقبلة.
فرنسا أمام واقع جديد… وأوروبا تدخل عصر الحرائق الكبرى
قد يكون استقرار حريق بوردو بارقة أمل لفرنسا، لكنه لا يمثل نهاية الأزمة.
فالمزيج الخطير من موجات الحر القياسية، والجفاف، والأخطاء البشرية، وجرائم الحرق العمد، والتغير المناخي، يرسم ملامح واقع بيئي جديد تعيشه أوروبا.
وبينما يواصل المحققون ملاحقة المسؤولين عن إشعال النيران عمداً، يقف رجال الإطفاء الفرنسيون إلى جانب زملائهم الأوكرانيين في مواجهة تهديد يرى الخبراء أنه سيصبح السمة الأبرز لصيف أوروبا خلال العقود المقبلة.
لقد بدأت ألسنة اللهب حول بوردو بالانحسار… لكن معركة أوروبا مع الحرائق لم تبدأ سوى الآن.




