من القاهرة إلى ١٤٠ دولة.. تطبيق مصري يصف للمكفوفين ما حولهم لحظة بلحظة، ويعمل الآن عبر نظارات ميتا الذكية
لم يكن فقدان البصر نهاية الطريق بالنسبة إلى الشاب المصري مارك مراد، بل كان الشرارة التي دفعته إلى بناء أداة تحاول أن تمنح المكفوفين شيئاً أكثر من قراءة النصوص : نافذة صوتية على العالم من حولهم.
في ١٨ أغسطس/آب ٢٠٢٦، سلطت وكالة رويترز الضوء على قصة مارك وتطبيقه ScribeMe – سكرايب مي، الذي تطور من محاولة شخصية للتغلب على صعوبات الدراسة إلى منصة للذكاء الاصطناعي تخدم مستخدمين في ١٤٠دولة، وتتيح وصف البيئة المحيطة، وقراءة النصوص، والتعرف إلى الأشياء، والإجابة عن الأسئلة، ومساعدة المستخدم في مواقف الحياة اليومية.
لحظة في سفاري كينيا.. جعلت المستحيل يبدو حقيقياً
القصة الأكثر تأثيراً جاءت من شقيقة مارك، كارين، البالغة ١٦ عاماً، التي فقدت بصرها هي الأخرى بسبب الحالة النادرة نفسها التي أصابت شقيقها.
خلال رحلة سفاري في كينيا في يونيو/حزيران، ارتدت كارين نظارات ميتا الذكية المرتبطة بـScribeMe. وفجأة بدأت تسمع وصفاً متواصلاً لما يحدث حولها: الحيوانات، مواقعها، المسافات، وحركتها.
بالنسبة لفتاة لا تستطيع رؤية المشهد بعينيها، لم يكن الأمر مجرد قراءة نص أو التعرف إلى جسم. كان محاولة لبناء صورة ذهنية متحركة للعالم.
وتقول كارين إن التجربة جعلتها تشعر، للحظات، وكأنها ترى مجدداً.
من فقدان البصر إلى كتابة أول سطر برمجي
بدأت أزمة العائلة في عام ٢٠١٨، عندما ظهرت مشكلات بصرية لدى مارك. ورغم الفحوصات داخل مصر وخارجها، لم يحصل الأطباء على تشخيص حاسم في البداية، قبل أن يتضح أن الحالة ستؤدي إلى فقدان البصر.
وبحلول نهاية عام ٢٠٢١، كان مارك وكارين قد فقدا بصرهما بالكامل، لكن بوتيرتين مختلفتين؛ فقد استغرق تدهور بصر كارين نحو ستة أشهر، بينما امتد تدهور حالة مارك قرابة ثلاث سنوات.
الأصعب لم يكن فقدان الرؤية وحده، بل الحياة اليومية التي لم تكن مصممة بالكامل لمن لا يرى.
واجه مارك، أثناء دراسته، مشكلة خاصة مع الفيزياء والكيمياء؛ فبرامج قراءة الشاشة كانت تستطيع التعامل مع النصوص، لكنها تتعثر عندما تصل إلى الرسوم البيانية والجداول والمعادلات والعناصر البصرية داخل ملفات الدراسة.
بحث عن مطورين قادرين على حل المشكلة، لكن الردود لم تأتِ.
فقرر أن يفعلها بنفسه.
تعلّم البرمجة عبر دروس على يوتيوب، وبدأ في بناء التطبيق الذي أصبح لاحقاً ScribeMe. . وبحلول عام ٢٠٢٣ كان لديه نموذج يعمل.
من مشروع طالب إلى شركة تفوز بالهاكاثون
لم يبقَ المشروع فكرة شخصية.
في ٢٠٢٤، شارك فريق ScribeMe في هاكاثون فودافون لأدوات الذكاء الاصطناعي المساعدة، الذي شهد منافسة نحو ٢٠٠ فريق، وانتهى بفوز ScribeMe بالمركز الأول وجائزة مالية كبيرة وبرنامج احتضان.
وكان الفريق يضم مارك مراد وبشوي ميشيل ومحمد عماد، وجاءت الفكرة في البداية لمعالجة مشكلات الوصول إلى ملفات PowerPoint وPDF، قبل أن تتوسع تدريجياً إلى نظام قادر على تفسير الصور والمحتوى المرئي ومساعدة المستخدم في فهم ما يظهر أمامه.
وهنا بدأ التحول الحقيقي : لم يعد ScribeMe مجرد قارئ مستندات، بل مساعداً بصرياً يعمل بالذكاء الاصطناعي.
“العين الاصطناعية” تنتقل من الهاتف إلى النظارات
اليوم، يعمل ScribeMe على الهواتف الذكية، لكن التطور الأهم جاء مع دمج ميزة Live Assist في نظارات ميتا الذكية.
وفي مارس/آذار ٢٠٢٦، أعلن مارك إتاحة Live Assist على نظارات Meta في نسخة تجريبية، بحيث يستطيع المستخدم الحصول على وصف مستمر لما يحيط به من دون الحاجة إلى إبقاء الهاتف في يده.
وهذه النقطة ليست تفصيلاً تقنياً بسيطاً.
بالنسبة لشخص كفيف، قد تكون إحدى يديه ممسكة بالعصا، أو مشغولة بحمل حقيبة، أو بالتفاعل مع البيئة المحيطة. لذلك فإن نقل المساعدة من شاشة الهاتف إلى النظارات يمكن أن يعني حرية حركة أكبر واستقلالية أعلى.
وتؤكد ميتا نفسها أن نظارات الذكاء الاصطناعي أصبحت تُستخدم لمساعدة المكفوفين وضعاف البصر على قراءة القوائم واللافتات، والتعرف إلى الأشياء وفهم البيئة المحيطة، مع تطوير أدوات تسمح للمطورين ببناء تطبيقات مساعدة جديدة على النظارات.
أكثر من ٢٠ لغة.. والذكاء الاصطناعي يتحدث العربية
تطور ScribeMe سريعاً من أداة متخصصة إلى منصة متعددة اللغات.
وتشير بيانات التطبيق الحالية إلى دعم العربية ولغات متعددة أخرى، بينما تقدم بعض وظائف التعرف الضوئي على الحروف OCR دعماً لأكثر من ٥٠ لغة. وتشمل وظائفه وصف الصور، وقراءة المستندات، وتحليل ملفات PDF وPowerPoint، والإجابة عن أسئلة حول المحتوى، إضافة إلى المساعدة المباشرة عبر الكاميرا.
كما أضاف التطبيق وظائف مثل مشاركة الشاشة، بحيث يستطيع المستخدم المكفوف الحصول على وصف لمحتوى المواقع والتطبيقات والصور التي تظهر على شاشة هاتفه.
وهكذا، لم تعد الفكرة محصورة في “ماذا يوجد أمامي؟”، بل أصبحت أقرب إلى:
“ماذا يحدث حولي؟ ماذا يوجد على الشاشة؟ ماذا يقول هذا المستند؟ وأين يوجد الشيء الذي أبحث عنه؟”
أرقام تكشف سرعة الانتشار
المسار يوضح كيف تغير حجم المشروع خلال فترة قصيرة.
ففي مراحل سابقة، أعلنت جامعة القاهرة الأميركية أن ScribeMe وصل إلى عشرات الدول، قبل أن يعلن مارك لاحقاً أن قاعدة المستخدمين تجاوزت ١٥٠ دولة في تحديث على حساب الجامعة. وفي أحدث تقرير لرويترز بتاريخ ١٨ أغسطس/آب، أشير إلى وصول التطبيق إلى ١٤٠ دولة.
ويعكس اختلاف الأرقام بين المراحل وطبيعة القياس تغير قاعدة المستخدمين بسرعة؛ لذلك فإن الرقم الأحدث الوارد في التقرير الصحفي هو ١٤٠ دولة.
نموذج مجاني.. وميزات مدفوعة
يتوفر ScribeMe للتنزيل مجاناً، مع مزايا إضافية عبر اشتراكات مدفوعة. وتُظهر صفحة التطبيق على App Store وجود خطط شراء داخل التطبيق، فيما تشير المعلومات المنشورة عن الخدمة إلى نموذج مجاني مع مزايا متقدمة مدفوعة.
أما على Android، فتظهر صفحة Google Play أن التطبيق تجاوز ٥ آلاف تنزيل وفق البيانات المعروضة حالياً، مع تحديث في يونيو/حزيران ٢٠٢٦.
سباق عالمي على «عين» ترتديها
قصة ScribeMe تأتي في لحظة تتسارع فيها صناعة التكنولوجيا المساعدة.
فميتا وسّعت خلال ٢٠٢٦ قدرات نظاراتها المخصصة للمساعدة، وأعلنت عن أدوات جديدة للوصول، فيما أتاحت شراكات مثل Be My Eyes للمكفوفين التواصل مع أشخاص موثوقين ومتطوعين وخدمات دعم عبر النظارات وبالأوامر الصوتية.
كما أعلنت ميتا في يونيو/حزيران برنامجاً لتوفير نظارات Ray-Ban Meta مجاناً للمحاربين القدامى الأميركيين المكفوفين، في خطوة تعكس انتقال النظارات الذكية من تجربة استهلاكية إلى أداة مساعدة ذات استخدامات اجتماعية وعملية واسعة.
لكن ScribeMe يضيف إلى هذا السباق بعداً مختلفاً: التكنولوجيا صُممت من تجربة شخص فقد بصره فعلياً ويعرف المشكلة من الداخل.
عندما يتحول «المستحيل» إلى مشروع
وراء التطبيق قصة عائلية أيضاً.
كانت والدة مارك وكارين، بحسب رواية رويترز، تعيش صدمة فقدان ابنيها للبصر، وكانت تخرج أحياناً من المنزل بحجة قضاء بعض الحاجات لتبكي بعيداً عن العائلة. لكن السنوات التالية أخذت الأسرة إلى مكان لم تكن تتوقعه: طفلان فقدا بصرهما، وأحدهما بدأ يتعلم البرمجة، ثم أسس مشروعاً يحاول مساعدة آلاف الأشخاص حول العالم.
وقال والد مارك إن العائلة نفسها توقفت عن استخدام كلمة “مستحيل”.
وربما تختصر هذه الكلمة بالذات قصة ScribeMe .
فالمشروع لم يبدأ في مختبر تابع لشركة تقنية عملاقة، ولا من خطة استثمارية بملايين الدولارات.
بدأ من طالب كفيف واجه ملفاً دراسياً لا يستطيع قراءته، ثم قرر أن يتعلم البرمجة ويصنع الأداة التي كان يحتاج إليها.
واليوم، باتت تلك الفكرة الصغيرة تتحرك عبر الهواتف والنظارات الذكية، من القاهرة إلى العالم.




