ناغازاكي تتذكر الموت… وطوكيو تواجه المستقبل: هل يصمد «المحرّم النووي» الياباني أمام تهديدات الصين وكوريا الشمالية؟
ناغازاكي – ٩ أغسطس/آب ٢٠٢٦
عند ١١:٠٢ صباحًا، توقفت ناغازاكي.
صمتٌ ثقيل خيّم على المدينة، وأجراس دقّت فوق حديقة السلام، بينما استعاد العالم ذكرى اللحظة التي غيّرت التاريخ إلى الأبد.
قبل ٨١ عامًا، أسقطت قاذفة أميركية قنبلة “فات مان” الذرية على ناغازاكي.
وبحلول نهاية ١٩٤٥، كان نحو ٧٠ ألف شخص قد لقوا حتفهم.
لكن في ذكرى ٢٠٢٦، لم يكن السؤال عن الماضي وحده.
كان السؤال عن المستقبل.
هل يتغير موقف اليابان من السلاح النووي؟
ناغازاكي تحذّر: “النووي شر مطلق”
أمام ممثلي أكثر من ٩٠ دولة، أطلقت ناغازاكي رسالة مباشرة إلى العالم.
عمدة المدينة شيرō سوزوكي وصف الأسلحة النووية بأنها “شر مطلق”، وحذّر من أن الاعتماد المتزايد على الردع النووي لا يجعل العالم أكثر أمانًا، بل قد يزيد خطر اندلاع حرب نووية.
وطالب الحكومة اليابانية بالتمسك بمبادئها الثلاثة الشهيرة:
لا امتلاك.
لا إنتاج.
لا إدخال للأسلحة النووية إلى اليابان.
لكن خلف هذه الكلمات يقف تناقض تاريخي يصعب تجاهله.
اليابان لا تمتلك السلاح النووي… لكنها تعتمد على المظلة النووية الأميركية.
وهنا تبدأ القصة الأكثر حساسية.
تاكايشي تفتح الباب… ولو جزئيًا
حضرت رئيسة الوزراء ساناي تاكايشي مراسم ناغازاكي، وأكدت أن اليابان تتمسك حاليًا بمبادئها الثلاثة.
لكنها لم تقدم إجابة حاسمة بشأن مستقبل هذه المبادئ.
وهذه المساحة الرمادية هي التي أشعلت الجدل.
المبدأان الأول والثاني واضحان: عدم امتلاك السلاح النووي وعدم إنتاجه.
أما الثالث ، عدم السماح بإدخال الأسلحة النووية إلى الأراضي اليابانية ، فيصطدم مباشرة بالتحالف العسكري مع واشنطن واعتماد طوكيو على الردع الأميركي الممتد.
اليابان تريد عالمًا بلا أسلحة نووية.
لكنها في الوقت نفسه تعتمد على قوة نووية لحماية أمنها.
وهنا تكمن المفارقة.
“النقاش بلا محظورات”… المحرّم يدخل السياسة
الجدل لم يعد همسًا.
وزير الدفاع شينجيرو كويزومي دعا إلى مناقشة الردع النووي “من دون محظورات”.
العبارة كانت كافية لإشعال غضب منظمات الناجين من هيروشيما وناغازاكي.
وبحسب استطلاع نقلته لوموند عن وكالة كيودو، يعارض ٧٦٪ من اليابانيين تغيير المبادئ الثلاثة لعدم امتلاك السلاح النووي.
لكن خلف هذا الرفض الشعبي، تتغير البيئة الأمنية بسرعة.
الصين توسع قدراتها العسكرية والنووية.
كوريا الشمالية تطور أسلحتها النووية وصواريخها.
روسيا والحرب في أوكرانيا أعادتا شبح التهديد النووي إلى الواجهة.
كما أن التساؤلات حول مستقبل الالتزامات الأمنية الأميركية تضيف طبقة جديدة من القلق.
وهكذا عاد السؤال الذي كان يبدو مستحيلًا:
إذا كان خصوم اليابان يمتلكون السلاح النووي، فهل تستطيع طوكيو الاستمرار في الاعتماد على الردع النووي لدولة أخرى؟
الصين تراقب كل خطوة
الجدل النووي لا يمكن فصله عن التحول العسكري الياباني.
طوكيو تنظر إلى الصين باعتبارها أبرز تحدٍ استراتيجي، خصوصًا مع تصاعد النشاط العسكري الصيني حول تايوان وبحر الصين الشرقي.
وتستعد اليابان لتعزيز قدراتها العسكرية بعيدة المدى، وتوسيع استخدام الطائرات والأنظمة غير المأهولة.
لكن بكين ردت بغضب.
فقد احتجت رسميًا على وثيقة الدفاع اليابانية، متهمة طوكيو بالمبالغة في تصوير التهديد الصيني والتدخل في ملف تايوان، وحذرت من عودة ما وصفته بـ**”العسكرة اليابانية”**.
الرسالة المتبادلة بين البلدين واضحة:
طوكيو تعزز دفاعاتها.
وبكين تراقب.
والسلاح النووي يظل في قلب الحسابات.
اليابان تعيد بناء جيشها
القصة لا تتعلق بالقنبلة النووية وحدها.
اليابان تتحرك بالفعل نحو سياسة دفاعية أكثر قوة.
الإنفاق الدفاعي وصل إلى نحو ٢٪ من الناتج المحلي الإجمالي، فيما خففت طوكيو قيود تصدير الأسلحة ووسعت تعاونها الأمني مع دول المحيطين الهندي والهادئ.
وفي استراتيجية الدفاع الجديدة، تحتل تقنيات مثل:
- الذكاء الاصطناعي
- الطائرات المسيّرة
- الصواريخ بعيدة المدى
- الأنظمة غير المأهولة
مكانة متزايدة.
والهدف واضح:
الاستعداد لآسيا أكثر خطورة.
لكن هناك خطًا واحدًا لا تزال اليابان تتردد في تجاوزه:
السلاح النووي.
الناجون يرحلون… والذاكرة تواجه سباق الزمن
في قلب هذه المعركة السياسية يقف جيل كامل من الناجين.
الـهيباكوشا، الناجون من هيروشيما وناغازاكي، يتقدمون في السن.
متوسط أعمارهم تجاوز ٨٦ عامًا، فيما يتراجع عددهم عامًا بعد آخر.
وهذا يجعل كل شهادة شخصية أكثر ندرة.
بالنسبة إليهم، النووي ليس نظرية.
ليس معادلة عسكرية.
ليس «ردعًا» على خريطة.
إنه صوت الانفجار.
والمدينة المحترقة.
والأجساد التي لم تستطع النجاة.
ولهذا يصر الناجون على أن ما حدث في ١٩٤٥ لا يجب أن يتحول إلى مجرد فصل في كتاب تاريخ.
عالم يتراجع فيه اليقين النووي
تأتي ذكرى ناغازاكي وسط بيئة دولية أكثر توترًا.
فقد انتهى مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام ٢٠٢٦ من دون اتفاق على وثيقة ختامية توافقية.
وفي الوقت نفسه، تتوسع الترسانات النووية وتُعاد صياغة التحالفات العسكرية، بينما أصبح الحديث عن الردع النووي أكثر حضورًا في الحسابات الأمنية للدول.
بالنسبة إلى اليابان، تصبح المعادلة أكثر تعقيدًا:
كيف تدعو إلى عالم خالٍ من السلاح النووي، بينما تعتمد على الردع النووي لحماية نفسها؟
بين ناغازاكي والصين وواشنطن… اليابان عالقة في المنتصف
اليابان تقف اليوم بين ثلاث حقائق متصادمة.
ذاكرة ناغازاكي وهيروشيما.
التهديدات الأمنية المتزايدة في شرق آسيا.
والاعتماد على المظلة النووية الأميركية.
حتى الآن، لا يوجد إعلان عن برنامج ياباني لامتلاك أسلحة نووية.
كما أن طوكيو لم تتخلَّ رسميًا عن مبادئها الثلاثة.
لكن شيئًا مهمًا تغيّر:
لم يعد الحديث عن الردع النووي محرّمًا بالكامل.
وهذا بحد ذاته تحول سياسي كبير.
اليابان… «دولة عتبة نووية»؟
تمتلك اليابان قاعدة علمية وصناعية متقدمة وقدرات كبيرة في مجال التكنولوجيا النووية المدنية.
ولهذا يصفها بعض المحللين بأنها “دولة عتبة نووية”؛ أي دولة لا تمتلك السلاح النووي، لكنها تملك قدرات تكنولوجية وصناعية يمكن أن تكون ذات صلة ببرنامج نووي عسكري محتمل.
لكن هذا لا يعني أن طوكيو قررت صنع قنبلة.
القرار السياسي هو الحاجز الحقيقي.
والجدل الحالي يختبر هذا الحاجز.
الساعة ١١:٠٢… لكن القصة لم تنتهِ
انتهت مراسم ناغازاكي.
وُضعت الزهور.
قُرئت الأسماء.
وانحنى الحاضرون في صمت.
ثم دقّت الأجراس للمرة الأخيرة.
لكن خلف جدران حديقة السلام، يستمر نقاش قد يرسم ملامح اليابان لعقود مقبلة.
فالناجون يتناقصون.
والذاكرة الحية تتراجع.
أما الأسلحة النووية، فلم تختفِ.
بل عاد العالم إلى مناقشتها باعتبارها أدوات للبقاء والردع.
وهنا تكمن المفارقة المرعبة.
ناغازاكي تتذكر ما فعلته قنبلة واحدة بمدينة.
واليابان الآن أمام سؤال مختلف:
هل ستكون تلك الذاكرة أقوى من الخوف الذي يدفع الدول إلى التسلح؟
عند ١١:٠٢ صباحًا، صمتت ناغازاكي.
لكن في طوكيو، لم يصمت النقاش.
والسؤال الذي كان مستحيلًا طرحه قبل سنوات أصبح الآن على الطاولة:




