من «الاستسلام غير المشروط» إلى النفط الرخيص: هل يمهّد ترامب لتقليص أهداف الحرب؟
واشنطن تغيّر تعريف “النصر”
بعد ستة أشهر من الحرب الأميركية-الإيرانية، تبدو واشنطن وكأنها تعيد بهدوء تعريف معنى الانتصار.
الإشارة الأكثر وضوحاً جاءت من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الذي اختصر أهداف الإدارة في أولويتين أساسيتين: ضمان استمرار تدفق النفط والغاز من الخليج إلى الأسواق العالمية، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
صيغة تبدو أكثر تواضعاً بكثير من الأهداف الكبرى التي رافقت بداية الحرب.
ففي الأشهر الأولى، تحدثت إدارة الرئيس دونالد ترامب عن تحطيم القدرات العسكرية الإيرانية، وتفكيك البرنامج النووي، والقضاء على تهديد الصواريخ، وإضعاف شبكة حلفاء طهران الإقليميين، بل وفتح الباب أمام تغيير النظام.
ووصل ترامب إلى المطالبة بـ**«الاستسلام غير المشروط» لإيران**.
أما اليوم، فتتركز الأولويات بصورة متزايدة على أهداف أكثر واقعية: إعادة تدفق النفط، احتواء الخطر النووي، وإيجاد مخرج من الحرب.
الأهداف تتحرك… مرة أخرى
تكمن أهمية تصريحات فانس في أنها تكشف مدى تغيّر قائمة أهداف الإدارة الأميركية خلال الحرب.
فالقوائم السابقة تضمنت تغيير النظام، والصواريخ الإيرانية، والجماعات الحليفة لطهران، والقدرات البحرية والجوية، وتدمير البنية التحتية للبرنامج النووي.
لكن مع مرور الوقت، بدأت اللغة تتغير، وتراجعت بعض المطالب الأكثر تشدداً من الخطاب الأميركي.
ثم جاءت الإشارة الأحدث والأكثر وضوحاً:
فانس وضع أمن الطاقة في المرتبة الأولى.
في بداية الحرب، كان من الصعب تخيّل أن يصبح سعر النفط واستقرار إمدادات الطاقة هدفاً معلناً بهذه الدرجة.
فترامب نفسه كان قد قلّل سابقاً من أهمية الكلفة الاقتصادية التي يتحملها الأميركيون، مؤكداً أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يستحق تحمّل الألم الاقتصادي.
لكن في ١٤ أغسطس/آب، أقرّ بأن الأميركيين يدفعون أكثر مقابل البنزين، وقال إنه لن يعتذر عن ذلك.
وهنا تظهر المفارقة.
إذا كانت أسعار الطاقة المرتفعة ثمناً مقبولاً لتحقيق النصر، فلماذا أصبحت السيطرة على أسعار الطاقة واستقرارها الآن من الأولويات الرئيسية لواشنطن؟
مضيق هرمز… ساحة المعركة داخل الحرب
الإجابة تكمن في مكان واحد: مضيق هرمز.
فالممر المائي الاستراتيجي تحول إلى واحدة من أقوى أوراق الضغط في يد طهران، وفي الوقت نفسه إلى واحدة من أخطر المشكلات الاقتصادية أمام واشنطن.
الحرب أربكت حركة السفن التجارية وتدفقات الطاقة، بينما دفعت الهجمات والتهديدات المتكررة شركات التأمين وناقلات النفط والحكومات إلى حسابات أكثر خطورة وتعقيداً.
ومع استمرار المخاطر، ارتفعت حساسية أسواق النفط تجاه أي تطور في هرمز أو المفاوضات الأميركية-الإيرانية.
ولم يعد الخطر اقتصادياً فقط.
البيئة أيضاً تدفع الثمن.
تقارير عن بقع نفطية كبيرة في الخليج، وتسربات مرتبطة بسفن متضررة، أضافت بعداً جديداً إلى أزمة باتت تتجاوز الحرب العسكرية لتطال أمن الطاقة والملاحة والبيئة في المنطقة.
أما على المستوى الدبلوماسي، فأصبح المأزق أكثر وضوحاً.
واشنطن تريد فتح المضيق.
وطهران تريد ثمناً لذلك.
وتطالب إيران، وفق الطرح الوارد في المفاوضات، بإنهاء الحرب، وتخفيف العقوبات، ورفع الحصار البحري، والوصول إلى أصول مجمّدة وتعويضات عن أضرار الحرب قبل التوصل إلى تسوية أوسع بشأن المضيق.
وهكذا حصلت طهران على ورقة ضغط في المكان الذي أصبحت فيه واشنطن أكثر حاجة إلى النتائج.
استراتيجية ترامب “الهادئة”
في ٩ أغسطس/آب ، قدّم ترامب إشارة إضافية إلى التحول في النهج الأميركي، عندما قال إن واشنطن تتعامل مع إيران بصورة “هادئة”، مع التركيز على الضغط الاقتصادي بدلاً من التوجه فوراً إلى تصعيد عسكري واسع جديد.
الرسالة مختلفة تماماً عن خطاب الأشهر الأولى.
كان من المفترض أن تكون الحرب قصيرة.
لكنها دخلت الآن شهرها السادس.
وأمام الإدارة الأميركية معادلة شديدة الخطورة:
استمرار الحرب يعني مزيداً من الاضطراب الاقتصادي واحتمال اتساع التصعيد العسكري.
أما إنهاؤها من دون استسلام إيراني شامل، فقد يجعل الأهداف القصوى التي أعلنتها واشنطن في بداية الحرب تبدو بعيدة المنال.
وهنا تكمن المعضلة.
الملف النووي لا يزال “الخط الأحمر”
رغم كل التحولات، لم تتخلَّ واشنطن عن هدفها الأهم: منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
لكن حتى هذا الملف شهد تغيراً في الخطاب.
فترامب تحدث بصورة متزايدة عن أن الضربات الأميركية ربما ألحقت بالفعل أضراراً كافية بالبنية التحتية النووية الإيرانية، وأن واشنطن قد تعتمد على المراقبة بدلاً من الإصرار على إزالة كل أثر للمواد النووية المخصبة.
وهذا يختلف جذرياً عن المطالبة السابقة بتفكيك القدرات النووية الإيرانية بالكامل.
وقد يمنح هذا التحول إدارة ترامب شيئاً تحتاج إليه بشدة:
تعريفاً جديداً للنصر لا يتطلب من إيران تقديم كل ما كانت واشنطن تطالب به في بداية الحرب.
إيران لا تتصرف كقوة مهزومة
لكن المشكلة بالنسبة إلى واشنطن أن طهران لا تبدو مستعدة للتعامل مع نفسها كطرف مهزوم.
فإيران تواصل استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط، فيما تبقى التوترات الإقليمية عند مستويات خطرة.
كما أن حوادث السفن والهجمات في الخليج، إلى جانب التطورات المرتبطة بالحوثيين، تُبقي المنطقة تحت ضغط عسكري وأمني متواصل.
وفي الوقت نفسه، توسّع الولايات المتحدة تحركاتها الدبلوماسية.
فمع اتساع الجهود لإحياء المفاوضات، دخلت دول أوروبية مثل النمسا واليونان بصورة أكبر في المشهد، لكل منهما مصالح استراتيجية مباشرة: النمسا بسبب دورها المرتبط بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، واليونان بسبب موقعها المهم في قطاع الشحن البحري.
وهذه بحد ذاتها إشارة لافتة.
عندما كانت واشنطن تراهن على الحل العسكري لتحقيق النصر، كانت تحتاج إلى عدد أقل من الوسطاء.
أما الآن، فهي تحتاج إلى المزيد.
الحرب لم تعد تُقاس بما بدأت به… بل بما ستنتهي إليه
السؤال الأكثر أهمية لم يعد بالضرورة:
هل يستطيع ترامب إجبار إيران على الاستسلام؟
بل أصبح:
هل يستطيع إقناع الأميركيين بأن تسوية أقل بكثير من الأهداف الأصلية تُعدّ انتصاراً؟
اتفاق يمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، ويعيد الملاحة التجارية إلى مضيق هرمز، ويخفف الضغط عن أسواق الطاقة، قد يمنح واشنطن مخرجاً من الحرب.
لكنه سيبقى بعيداً عن الأهداف القصوى التي رافقت بدايتها.
وهنا تحديداً تكتسب تصريحات فانس أهميتها.
قد لا تعترف الإدارة الأميركية علناً بأن طموحاتها تغيرت.
لكن اللغة تتغير.
الأولويات تتغير.
الدبلوماسية تتغير.
وحتى ساحة المعركة تتغير.
بعد ستة أشهر من دخول واشنطن الحرب وهي تعد بنتائج حاسمة، لم يعد السؤال المركزي هو فقط:
كيف يمكن هزيمة إيران؟
بل أصبح أكثر إحراجاً:
هل يستطيع ترامب تحويل حرب بدأت بمطلب «استسلام إيران» إلى تسوية تبدو، بالمقارنة، كأنها تراجع تفاوضي؟
حتى الآن، لا تزال الإجابة تُكتب في مياه مضيق هرمز… وفي أسعار البنزين التي يدفعها الأميركيون عند المضخات.




