في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بمراقبة صعود الصين كقوة عظمى تنافس الولايات المتحدة على قيادة العالم، يطلق الكاتب الأمريكي بريت ستيفنز تحذيراً مختلفاً: الخطر الحقيقي لا يكمن في قوة بكين، بل في هشاشتها المتزايدة خلف واجهة النفوذ والهيمنة.
وفي مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز، يرسم ستيفنز صورة مقلقة لدولة تبدو عملاقة من الخارج، لكنها تعاني داخلياً من أزمات اقتصادية وسياسية وديمغرافية قد تدفعها إلى خيارات أكثر عدوانية وخطورة في المستقبل القريب.
قوة تبدو مرعبة… لكنها ليست مستقرة
وسط الجدل الذي يرافق قمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين، يؤكد ستيفنز أن الولايات المتحدة ما تزال تمتلك تفوقاً إستراتيجياً طويل الأمد، بفضل ما يسميه “قوة المجتمعات المفتوحة”.
ويرى أن التاريخ أثبت مراراً أن الأنظمة القائمة على الحرية السياسية والأسواق التنافسية أكثر قدرة على الابتكار والصمود من الأنظمة السلطوية التي تتحكم الدولة فيها بالاقتصاد والإنتاج والقرار السياسي.
لكن المفارقة الخطيرة، بحسب الكاتب، أن شعور الصين بالتباطؤ والتراجع قد يجعلها أكثر اندفاعاً وأقل استعداداً للانتظار.
اقتصاد ضخم… فوق أرض متشققة
ويهاجم المقال السياسات الاقتصادية التي يقودها شي جين بينغ، معتبراً أن بكين ضخت مئات المليارات في مشاريع ضخمة وصناعات إستراتيجية مثل السيارات الكهربائية والروبوتات والتكنولوجيا العسكرية، في محاولة لصناعة تفوق عالمي سريع.
غير أن هذه الطفرة، وفق ستيفنز، تخفي اختلالات خطيرة داخل الاقتصاد الصيني، أبرزها انفجار فقاعة العقارات وظهور “مدن الأشباح” التي تحولت إلى رمز لأزمة عميقة تضرب السوق الصينية.
ويشير الكاتب إلى أن ملايين الصينيين فقدوا جزءاً كبيراً من مدخراتهم، بينما تواجه الحكومات المحلية أزمات تمويل خانقة، في وقت تتراجع فيه الاستثمارات الأجنبية ويرتفع معدل بطالة الشباب إلى مستويات مقلقة.
ولا تتوقف الأزمة عند الاقتصاد فقط، بل تمتد إلى التركيبة السكانية نفسها، مع تراجع عدد السكان وشيخوخة المجتمع وانخفاض أعداد القوى العاملة، وهي عوامل تهدد مستقبل النمو الصيني على المدى البعيد.
الخطر الحقيقي… حين تشعر القوى العظمى بالخوف
أخطر ما يطرحه ستيفنز هو أن الدول التي تشعر بالثقة تميل إلى الصبر، أما الدول التي تخشى التراجع فتكون أكثر ميلاً للمغامرة.
ولهذا يقارن وضع شي جين بينغ بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل غزو أوكرانيا، حين دفعت المخاوف من تراجع النفوذ الروسي إلى اتخاذ قرار غيّر وجه العالم.
ويحذر الكاتب من أن السيناريو الأخطر قد يكون تحرك الصين عسكرياً ضد تايوان، سواء عبر غزو مباشر أو حصار اقتصادي وعسكري، رغم الكلفة الكارثية التي قد تترتب على ذلك عالمياً.
واشنطن أمام اختبار مصيري
وفي ختام مقاله، ينتقد ستيفنز سياسة إدارة ترامب تجاه الصين، معتبراً أن واشنطن تبدو متشددة اقتصادياً لكنها غامضة في التزاماتها الأمنية تجاه حلفائها، خصوصاً تايوان.
ويحذر من أن أي صفقة سياسية مع بكين تتضمن تقليص الدعم العسكري الأمريكي لتايوان مقابل تعاون صيني في ملفات أخرى، مثل إيران أو المعادن النادرة، قد تتحول إلى “فشل إستراتيجي كبير” يغيّر موازين القوى الدولية لسنوات طويلة.
وبينما تواصل الصين استعراض قوتها أمام العالم، يطرح المقال سؤالاً أكثر إثارة للقلق:
هل يصبح العملاق أكثر خطورة عندما يبدأ بالخوف من السقوط؟
المصدر: نيويورك تايمز




