من أوتاوا إلى نيودلهي: العالم يبني خيارات بديلة لواشنطن
ضغط ترامب يفتح أبواباً جديدة بين خصوم وحلفاء أميركا
كندا تتجه نحو أوروبا، والهند تعيد فتح قنواتها مع الصين… هل يدخل النظام الدولي عصر «الخيارات المتعددة»؟
لم تنكسر خريطة التحالفات الأميركية بين ليلة وضحاها، لكنها بدأت إعادة حساباتها.
من كندا إلى الهند، ومن أوروبا إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ، تتحرك دول لطالما اعتمدت على واشنطن بحثاً عن أسواق جديدة، وسلاسل إمداد بديلة، وشراكات أمنية أوسع، وهوامش أكبر للمناورة الدبلوماسية.
النتيجة لا تبدو حتى الآن تخلياً جماعياً عن الولايات المتحدة، بل اتجاهاً متصاعداً نحو تنويع الشراكات وتقليص الاعتماد على طرف واحد.
كندا تفتح الباب الأوروبي
تتقدم كندا في هذا المسار بشكل لافت.
فبعد انهيار المفاوضات التجارية مع واشنطن وفرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية مرتفعة على السلع الكندية، بدأ رئيس الوزراء مارك كارني الدفع باتجاه علاقة أعمق مع أوروبا.
وفي ١٦ أيلول/سبتمبر، طرحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين فكرة بحث منح كندا وضع “عضو منتسب” في الاتحاد الأوروبي، وهو توصيف لا يمتلك حالياً إطاراً قانونياً قائماً داخل الاتحاد.
الفكرة تتجاوز التجارة التقليدية، وتفتح الباب أمام تعاون أوسع في الدفاع والطاقة والمعادن الحيوية والذكاء الاصطناعي والقطب الشمالي والأمن الاقتصادي.
كارني تبنّى جوهر المبادرة، مع تجنب جعل تسمية «العضو المنتسب» محور المشروع.
وفي خطابه أمام البرلمان الأوروبي، طرح رؤية تقوم على تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية من خلال جمع نقاط القوة الكندية والأوروبية.
كندا تملك الطاقة والمعادن الحيوية والموقع الجغرافي في القطب الشمالي وقدرات الذكاء الاصطناعي والفضاء ورأس المال، فيما تمتلك أوروبا سوقاً ضخمة وقاعدة صناعية متقدمة وقدرات بحثية وصناعة دفاعية آخذة في التوسع.
الهدف ليس الاكتفاء الذاتي… بل بناء قدرة جماعية على الصمود.
ومع ذلك، لا تغادر أوتاوا المدار الأميركي.
فكارني وصف الولايات المتحدة بأنها جار وشريك دائم، لكن حكومته تحاول تقليل مخاطر تركّز الاعتماد الاقتصادي والاستراتيجي في علاقة واحدة. كما بدأت كندا توسيع ترتيباتها الدفاعية والاقتصادية خارج الإطار الأميركي التقليدي.
بروكسل تفتح الباب… وواشنطن تحذّر
لكن المبادرة الأوروبية اصطدمت سريعاً برد فعل من واشنطن.
الرئيس دونالد ترامب وصف المقترح الكندي-الأوروبي بأنه قد يمثل “عملاً عدائياً”، محذراً من إمكان فرض رسوم إضافية أو اتخاذ إجراءات تجارية ضد أوروبا إذا اعتبر أن الخطوة تستهدف الولايات المتحدة.
وهنا تظهر مفارقة المشهد الجديد:
كلما ازدادت الضغوط الأميركية على الدول لتنويع علاقاتها، ازدادت دوافع هذه الدول لبناء بدائل.
في المقابل، تؤكد أوروبا أن التعاون مع كندا لا يستهدف إنشاء كتلة معادية للولايات المتحدة، بل تعزيز التعاون بين الديمقراطيات.
ولا تزال العقبات كبيرة؛ فـ«العضوية المنتسبة» ليست وضعاً قانونياً قائماً في الاتحاد الأوروبي، وأي صيغة رسمية ستحتاج إلى موافقة الدول الأعضاء الـ٢٧.
وقد يشكل اجتماع كندا والاتحاد الأوروبي في مونتريال خلال تشرين الأول/أكتوبر اختباراً حقيقياً لمعرفة ما إذا كانت المبادرة السياسية ستتحول إلى ترتيبات ملموسة.
الهند والصين: تقارب بحسابات دقيقة
في آسيا، تبدو الصورة أكثر تعقيداً.
الهند لا تتخلى عن شراكتها المتنامية مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه تحاول حماية هامشها الاستراتيجي في مواجهة الضغوط الأميركية المرتبطة بشراء النفط الروسي.
وتأتي هذه الضغوط في وقت تواجه فيه نيودلهي صعوبة عملية في استبدال النفط الروسي بسرعة، وسط اضطرابات أوسع في أسواق الطاقة العالمية.
ثم جاءت إشارة أكثر حساسية.
في ١٢ أيلول/سبتمبر، التقى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الرئيس الصيني شي جين بينغ على هامش قمة بريكس في نيودلهي، واتفق الجانبان على مواصلة العمل لتثبيت العلاقات.
وناقش الطرفان التجارة والنقل وروابط الأعمال والوصول إلى الأسواق وسلاسل الإمداد، فيما شدد مودي على أن استقرار الحدود المتنازع عليها يبقى شرطاً أساسياً لتقدم العلاقات.
أهمية اللقاء لا تكمن فقط في ما تم الاتفاق عليه، بل في حقيقة أن الهند والصين ما زالتا قوتين متنافستين استراتيجياً.
فإرث حرب ١٩٦٢، والنزاع الحدودي، والمواجهة الدامية عام ٢٠٢٠، والانتشار العسكري، والتنافس على النفوذ في المحيط الهندي، فضلاً عن الاختلال التجاري الكبير، كلها ملفات لم تختفِ.
ومع ذلك، بلغ حجم التجارة الثنائية مستوى قياسياً عند ١٥٥٫٦ مليار دولار في عام ٢٠٢٥.
لذلك، لا يعني التقارب ولادة تحالف هندي-صيني.
إنه أقرب إلى إعادة فتح قنوات المصالح المشتركة.
الصين تدخل المعادلة الأميركية
بالنسبة إلى بكين، يمكن لتحسين العلاقات مع نيودلهي أن يحد من اندفاع الهند نحو شراكة أكثر قرباً مع واشنطن.
أما الهند، فقد ترى في تهدئة العلاقة مع الصين مساحة اقتصادية ودبلوماسية إضافية، في وقت تواجه فيه ضغوطاً أميركية على التجارة والطاقة.
وفي الوقت نفسه، تواصل نيودلهي بناء علاقات مع أوروبا وبريطانيا وكندا ودول أخرى.
والنتيجة استراتيجية هندية واضحة:
عدم اختيار معسكر واحد عندما يمكن لعلاقات متعددة أن تخدم مصالح مختلفة.
آسيا تراقب ترامب وشي
ولا تقتصر تداعيات هذا التحول على كندا والهند.
فحلفاء الولايات المتحدة في آسيا يراقبون عن كثب القمة المرتقبة بين ترامب وشي جين بينغ.
وتثير إمكانية استخدام ملفات مثل تايوان ومبيعات الأسلحة كورقة تفاوضية للحصول على تنازلات اقتصادية من بكين مخاوف لدى بعض الشركاء الآسيويين.
ومن المقرر أن تتناول قمة ترامب-شي في واشنطن في ٢٤ أيلول/سبتمبر ملفات الرسوم الجمركية، والمعادن الحيوية، والذكاء الاصطناعي، وتايوان، وإيران، والتجارة المرتبطة بالفنتانيل.
بالنسبة إلى الحلفاء، تحمل هذه المفاوضات رسالة مهمة:
إذا كانت سياسة واشنطن تجاه بكين يمكن أن تتغير بسرعة وفقاً لمعادلات التجارة والاقتصاد، فإن تطوير شبكات حماية اقتصادية ودبلوماسية خاصة بهم يصبح خياراً أكثر حضوراً.
من نظام التحالفات إلى عالم الشراكات المتعددة
التحول الأعمق قد لا يكون انهيار منظومة التحالفات الأميركية.
بل ربما يكون نهاية الاعتماد الحصري.
يمكن لكندا أن تبقى شريكاً أمنياً قريباً من الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تعزز علاقاتها الاقتصادية والدفاعية مع أوروبا.
ويمكن للهند أن توسع تعاونها مع واشنطن، بينما تعيد فتح قنواتها مع الصين وتحافظ على علاقاتها مع روسيا.
كما تستطيع الدول الأوروبية التعاون مع الولايات المتحدة، بالتوازي مع تطوير قدراتها الصناعية والتكنولوجية والدفاعية.
هذه المسارات ليست بالضرورة متناقضة.
إنها تعكس عالماً تريد فيه الحكومات خيارات متعددة قبل اندلاع الأزمة، لا بعدها.
وتقول كندا إن هدفها هو الاستقلالية الاستراتيجية لا العزلة، مشيرة إلى توقيع عشرات الاتفاقات المرتبطة بالمعادن الحيوية وأكثر من ٢٠ اتفاقاً تجارياً وأمنياً عبر خمس قارات، بهدف توسيع الوصول إلى الأسواق خارج الولايات المتحدة.
السؤال الذي يتغير
لم يعد السؤال الدولي ببساطة:
من هو حليف أميركا؟
بل بدأ يتحول إلى سؤال أكثر حساسية:
إلى أي حد يريد الحليف أن يعتمد على أميركا؟
فهنا تكمن النقلة.
استخدام ترامب للرسوم الجمركية والضغط الاقتصادي يهدف إلى انتزاع تنازلات وإعادة تشكيل العلاقات التجارية. لكن التأثير الجانبي المحتمل هو أن تبدأ الدول في بناء البدائل تحديداً لأنها تخشى أن يصبح الوصول إلى السوق الأميركية أو التكنولوجيا أو المظلة الأمنية أو الشراكة السياسية مشروطاً بتغيرات السياسة في واشنطن.
ومع ذلك، لا تزال الصورة بعيدة عن الانفصال.
كندا لا تستطيع استبدال الولايات المتحدة اقتصادياً أو عسكرياً بسرعة. والهند لا تستطيع محو عقود من المنافسة مع الصين. وأوروبا لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على التعاون الأمني عبر الأطلسي. كما تبقى واشنطن عاملاً أساسياً في الحسابات الاستراتيجية لعدد كبير من حلفائها.
لكن الاتجاه بدأ يظهر بوضوح.
النظام القديم بُني على الاعتماد. أما النظام الناشئ فيُبنى على الخيارات.
وإذا استمر هذا المسار، فقد تكون إحدى النتائج الجيوسياسية غير المقصودة لضغوط ترامب ليست اختفاء التحالفات الأميركية، بل ظهور عالم يصبح فيه حلفاء واشنطن أقل استعداداً للاعتماد عليها وحدها.




