من بيروت إلى مضيق هرمز… العالم يترقّب ما إذا كانت هذه الهدنة بداية سلام أم استراحة قبل العاصفة
بيروت — في مسرح الجغرافيا السياسية العالمية، غالباً ما تكمن أخطر اللحظات في تلك الفواصل الصامتة التي تفصل بين الانفجارات. وفي صباح هذا الاثنين، وجد العالم نفسه عالقاً داخل واحدة من تلك اللحظات النادرة؛ لحظة هدوء تبدو للوهلة الأولى مطمئنة، لكنها تخفي تحت سطحها احتمالات لا تُحصى.
فبعد أكثر من مئة يوم من الصراع الذي دفع الاقتصاد العالمي إلى حافة الانهيار وأشعل المخاوف من حرب إقليمية واسعة، أعلنت واشنطن وطهران التوصل إلى اتفاق أولي لوقف الأعمال العدائية.
لكن بينما يجفّ الحبر على مذكرة التفاهم، التي يُنتظر توقيعها رسمياً يوم الجمعة المقبل في سويسرا، لا يزال المجتمع الدولي يحبس أنفاسه.
فهل نشهد أخيراً بداية ذوبان الجليد بين الخصمين اللدودين؟ أم أن ما يجري ليس سوى إعادة تموضع تكتيكية تسبق عاصفة جديدة أكثر عنفاً؟
كيف وُلد الاختراق الدبلوماسي؟
الاتفاق، الذي جرى التوصل إليه عبر وساطات خلف الكواليس قادتها باكستان وقطر، يمثل تراجعاً محسوباً من حافة مواجهة كانت تهدد بإشعال المنطقة بأسرها.
ورغم أن بنوده ما زالت أولية ومحدودة، فإنها تستهدف أكثر الملفات إلحاحاً بالنسبة للعالم:
خفض فوري للتصعيد
ينص الاتفاق على إنهاء دائم للعمليات العسكرية عبر مختلف الجبهات، بما في ذلك الساحة اللبنانية التي كانت من أكثر الجبهات حساسية وتقلباً خلال الأشهر الماضية.
شريان الطاقة العالمي يعود للحياة
تعهدت الولايات المتحدة بإنهاء الحصار البحري الذي فرضته خلال الأزمة، في حين وافقت إيران على إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية دون رسوم أو قيود إضافية.
ويُنظر إلى المضيق باعتباره الشريان الحيوي للطاقة العالمية، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز إلى الأسواق الدولية.
مهلة الستين يوماً
أما الملف الأكثر تعقيداً وخطورة، وهو البرنامج النووي الإيراني، فقد جرى تأجيله مؤقتاً لمدة ستين يوماً، تُخصص لمفاوضات تقنية مكثفة أملاً في الوصول إلى صيغة تضمن مصالح الطرفين وتمنع العودة إلى المواجهة.
رهان محسوب… أم تأجيل للأزمة؟
الارتياح بدأ ينعكس سريعاً على الأسواق العالمية.
فأسعار النفط تراجعت عن مستوياتها القياسية التي بلغتها خلال الحرب، وشركات التأمين البحري بدأت تدرس بحذر إعادة تفعيل خطوط الشحن عبر الخليج.
لكن خبراء السياسة الدولية يحذرون من الخلط بين الاستقرار والسلام.
فالهدوء الحالي لا يعني بالضرورة أن أسباب الحرب قد اختفت.
لماذا يرى المتفائلون أن الاتفاق انتصار للعالم؟
بالنسبة للمواطن العادي في طوكيو أو برلين أو نيويورك، تمثل هذه الهدنة فرصة ثمينة لالتقاط الأنفاس.
فهي تمنع ركوداً اقتصادياً عالمياً كان يلوح في الأفق نتيجة اضطراب إمدادات الطاقة، كما تضع حداً مؤقتاً لنزاع أودى بحياة الآلاف وأثار موجات من القلق في مختلف القارات.
ويرى مؤيدو الاتفاق أن الفصل بين الأزمة الإنسانية العاجلة وبين الملف النووي الشائك منح الطرفين مساحة سياسية ضرورية للتحرك.
فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحقق مكسباً دبلوماسياً قد يشكل نقطة تحول في مسيرته السياسية، بينما تتجنب القيادة الإيرانية مزيداً من الضغوط الداخلية والتآكل في شعبيتها.
ولماذا يخشى المشككون الأسوأ؟
على الجانب الآخر، يرى المنتقدون أن الاتفاق لا يحل المشكلة بل يؤجلها.
فبدلاً من معالجة جذور الأزمة، تم وضع أكثر الملفات انفجاراً على الرف مؤقتاً، وهو ما قد يجعل الانفجار المقبل أكثر خطورة.
شبح النووي لا يزال قائماً
إذا انتهت مهلة الستين يوماً دون اختراق حقيقي، فقد يجد العالم نفسه عائداً إلى نقطة الصفر.
لكن هذه المرة سيكون الطرفان قد تعلما الكثير عن قدرات بعضهما العسكرية وحدود الردع المتبادلة، ما قد يجعل أي مواجهة جديدة أكثر تعقيداً ودموية.
فراغ القوة في المنطقة
كما أن الاتفاق يترك جزءاً كبيراً من شبكة النفوذ الإقليمي الإيرانية، المعروفة بمحور المقاومة، قائماً دون تغيير جذري.
وهذه النقطة تحديداً ما تزال تمثل خطاً أحمر بالنسبة لإسرائيل وعدد من الدول العربية الخليجية التي تنظر بقلق إلى أي تسوية لا تعالج موازين القوى الإقليمية بشكل مباشر.
جسر فوق الرمال
يبقى الحكم النهائي على هذا الاتفاق رهناً بما سيجري خلف الأبواب المغلقة في سويسرا خلال الأسابيع المقبلة.
فإذا تحولت المفاوضات إلى مسار حقيقي لبناء منظومة أمنية جديدة في الشرق الأوسط، فقد يسجل التاريخ هذا الاتفاق باعتباره أحد أبرز الانتصارات الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين.
أما إذا كان مجرد استراحة استراتيجية مؤقتة، فقد يصبح أخطر أنواع التأجيل؛ تأجيلاً يمنح الخصوم الوقت لإعادة التسلح، وإعادة الحسابات، والاستعداد لجولة ثانية قد تكون أكثر تدميراً من الأولى.
حتى الآن، يبدو أن نبض العالم قد تباطأ قليلاً.
لكن في منطقة اعتادت أن تُقاس فيها السنوات بدورات الانتقام والصراعات المتكررة، تبقى الأنظار معلقة بمياه مضيق هرمز.
وهناك، بين ناقلات النفط التي تستعد للعبور وبين الأساطيل التي تراقب الأفق، ينتظر العالم الإجابة على السؤال الأصعب:
هل نشهد بالفعل فجر سلام جديد؟
أم أن هذا الفجر الهش ليس سوى مقدمة ليوم أكثر ظلمة؟




