بين مخاوف الاكتظاظ وشبح «بريكست سويسري»… أمة كاملة تنتظر كلمة الصندوق
برن – منذ ساعات الصباح الأولى، بدت سويسرا مختلفة.
في محطات القطارات، وفي الساحات العامة، وخلف الواجهات الزجاجية للمصارف والشركات العالمية، كان سؤال واحد يطغى على كل شيء: ماذا سيحدث إذا قالت سويسرا «كفى»؟
بين قمم الألب الهادئة التي لطالما عكست صورة الاستقرار الأوروبي، تدور اليوم معركة سياسية واقتصادية قد تعيد رسم مستقبل البلاد بالكامل.
إنه استفتاء العشرة ملايين.
رقم يبدو بسيطًا على الورق، لكنه يحمل في طياته قنبلة سياسية قد تهز العلاقة بين برن وبروكسل، وتعيد إشعال الجدل الأوروبي المحتدم حول الهجرة والهوية والسيادة الوطنية.
مع فتح صناديق الاقتراع، لم يكن التصويت مجرد إجراء ديمقراطي اعتيادي. كان اختبارًا لمستقبل أمة بأكملها.
فالمؤيدون يرون أن سويسرا وصلت إلى حدود قدرتها على التحمل. الطرق أكثر ازدحامًا، وأسعار السكن تواصل الارتفاع، والخدمات العامة تواجه ضغوطًا متزايدة. بالنسبة لهم، فإن استمرار النمو السكاني بالمعدلات الحالية يعني أن البلاد تتجه نحو نقطة اختناق حقيقية.
لكن في الجهة المقابلة، ترتفع أصوات التحذير.
قادة الأعمال والاقتصاديون يتحدثون عن خطر قد يضرب قلب الاقتصاد السويسري. فالدولة التي بنت جزءًا كبيرًا من نجاحها على استقطاب الكفاءات والعمالة الأوروبية قد تجد نفسها أمام نقص متزايد في اليد العاملة، واضطرابات في سوق العمل، وموجة جديدة من عدم اليقين الاقتصادي.
الأخطر من ذلك أن المبادرة قد تدفع سويسرا إلى مواجهة مباشرة مع الاتحاد الأوروبي.
فإذا أدى السقف السكاني إلى تقييد حرية التنقل، فإن اتفاقيات اقتصادية حساسة جرى التفاوض عليها بشق الأنفس قد تصبح موضع شك، ما يفتح الباب أمام أزمة سياسية لا يرغب أحد في رؤيتها.
ولهذا السبب، لا تراقب أوروبا الاستفتاء كحدث محلي.
من باريس إلى برلين، ومن روما إلى بروكسل، تتجه الأنظار نحو الدولة الصغيرة الواقعة في قلب القارة.
فما يحدث اليوم في سويسرا قد يصبح نموذجًا لحركات سياسية أخرى تسعى إلى فرض قيود أكثر صرامة على الهجرة في أنحاء أوروبا.
وفي ظل انقسام الشارع السويسري، وتقارب نتائج استطلاعات الرأي، يبقى المشهد مفتوحًا على كل الاحتمالات.
ومع كل ورقة اقتراع تسقط داخل الصناديق، يقترب البلد من لحظة الحقيقة.
لحظة قد تحدد ليس فقط عدد سكان سويسرا في المستقبل، بل أيضًا شكل أوروبا السياسية في السنوات المقبلة.
وعندما تُعلن النتائج، قد تكتشف القارة بأكملها أن ما بدأ بسؤال عن عدد السكان انتهى بطرح سؤال أكبر بكثير:
إلى أي مدى يمكن للديمقراطيات الحديثة أن توازن بين الانفتاح والخوف من التغيير؟
الإجابة قد تأتي من سويسرا… وقد تغيّر أوروبا بأسرها.




