هل تتنبأ الأسماك بالزلازل؟ اكتشاف نادر في تشيلي يعيد السؤال إلى الواجهة
أسطورة أم إنذار؟ سمكة “يوم القيامة” تعود إلى الواجهة من شواطئ تشيلي
سمكة مجدافية بطول ٥ أمتار تظهر في تشيلي.. هل تنذر بكارثة طبيعية؟
ميخيّونيس، شمال تشيلي
سمكة فضية عملاقة خرجت من أعماق المحيط إلى الشاطئ، فاستعادت أسطورة قديمة قدرتها على إثارة القلق في عصر وسائل التواصل الاجتماعي. ففي منطقة أنتوفاغاستا شمال تشيلي، أعاد العثور على سمكة مجدافية نادرة، يبلغ طولها نحو خمسة أمتار، تداول لقب “سمكة يوم القيامة” والتكهنات بشأن احتمال وقوع زلزال قوي أو تسونامي.
لكن بين الأسطورة والحقيقة العلمية مسافة واسعة: لا تثبت المشاهدة أن زلزالاً وشيكاً سيقع، ولا توجد أدلة علمية موثوقة تجعل ظهور السمكة أداة للتنبؤ بالكوارث.
وتكتسب القصة أهمية إضافية لأن تشيلي تقع في واحدة من أكثر المناطق نشاطاً زلزالياً في العالم، ما يجعل أي خبر عن كارثة محتملة مادة سريعة الانتشار، حتى عندما لا تسنده مؤشرات علمية.
من شاطئ تشاكايّا إلى عناوين الأخبار.. ماذا حدث فعلاً؟
بحسب تقرير نشرته صحيفة “SoyChile” المحلية في ٢٢ تشرين الأول/أكتوبر، عُثر على السمكة نافقة بعد ظهر الثلاثاء على شاطئ تشاكايّا، على مسافة تقارب ٢٥ كيلومتراً جنوب ميخيّونيس، وقدّر طولها بنحو خمسة أمتار. وأعاد الاكتشاف تسليط الضوء على نوع بحري يعيش عادة في الأعماق، ولا يظهر كثيراً أمام البشر.
وتناولت وسائل إعلام عربية، من بينها “البيان” و”إرم نيوز”، الأسطورة المحيطة بهذا الكائن، مع الإشارة إلى أن الربط بين ظهوره والزلازل لا يستند إلى دليل علمي حاسم. وتختلف هذه التغطيات في تركيزها بين غرابة السمكة وموروثها الشعبي والتفسير العلمي لظهورها.
أما ما لا تثبته هذه التقارير، فهو أن اكتشاف السمكة في تشيلي يتزامن بالضرورة مع خطر زلزالي محدد أو ينذر بوقوع كارثة وشيكة.
أسطورة يابانية عمرها قرون.. كيف أصبحت السمكة نذير شؤم؟
تُعرف السمكة المجدافية في اليابان باسم Ryūgū-no-tsukai، ويُترجم اسمها إلى “رسول قصر إله البحر”. ووفق الموروث الشعبي، ارتبط ظهورها قرب السطح أو على الشواطئ باحتمال وقوع زلازل أو تسونامي.
وتستمد الأسطورة قوتها من مشاهد نادرة يصعب نسيانها: جسم طويل فضي، وزعانف حمراء، وكائن بحري لا يراه معظم الناس في بيئته الطبيعية. وعندما تتزامن مشاهدة كهذه مع كارثة لاحقة، يسهل على الذاكرة الشعبية ربط الحدثين، حتى من دون إثبات علاقة سببية بينهما.
وتتكرر هذه الرواية في التغطيات العربية، ومنها تقارير “إرم نيوز” عن ظهور السمكة في مناطق مختلفة، فيما يؤكد العرض العلمي الذي نشرته “البيان” أن شهرة اللقب لا تعني صحة الادعاء المرتبط به.
الدراسة التي اختبرت الأسطورة بالأرقام
٣٣٦ حالة ظهور لأسماك أعماق مدروسة في اليابان
٢٢۱ زلزالاً شملتها المقارنة العلمية
عام ٢٠۱٩ نشر الدراسة في مجلة علمية متخصصة
في الدراسة المنشورة عام ٢٠۱٩ في مجلة Bulletin of the Seismological Society of America، فحص باحثون من جامعة توكاي وجامعة شيزوؤكا اليابانيتين بيانات ظهور ثمانية أنواع من أسماك الأعماق، وقارنوها بسجلات الزلازل.
وشملت البيانات الفترة من تشرين الثاني/نوفمبر ۱٩٢٨ إلى آذار/مارس ٢٠۱۱. وفحص الباحثون ما إذا كانت زلازل بقوة ٦˚ درجات أو أكثر قد وقعت خلال ٣٠ يوماً من ظهور الأسماك، وعلى مسافة لا تتجاوز ۱٠٠ كيلومتر من مواقع رصدها.
لم يجد الفريق سوى حالة واحدة استوفت معايير التوافق الزمني والمكاني المحددة في الدراسة؛ وهي زلزال تشوئتسو أوكي عام ٢٠٠٧ في اليابان. وخلص الباحثون إلى أن البيانات لا تثبت وجود علاقة موثوقة تسمح باستخدام ظهور أسماك الأعماق للتنبؤ بالزلازل.
هذه النتيجة لا تعني أن العلماء يعرفون كل شيء عن سلوك الأسماك في الأعماق، لكنها تعني أن الادعاء بقدرتها على التحذير من زلزال قادم لا يستند إلى ما يكفي من الأدلة.
لماذا تخرج السمكة من الأعماق؟
لا يوجد تفسير واحد مؤكّد لكل حالة ظهور أو جنوح للسمكة المجدافية. وقد تتداخل عوامل متعددة، منها الحالة الصحية للسمكة، والإصابات، والظروف البيئية وحركة المياه. لكن تحديد السبب الفعلي لنفوق سمكة تشيلي يتطلب فحص العينة وجمع معلومات ميدانية، ولا يجوز الجزم بسبب محدد من دون نتائج.
وفي هذا السياق، تبرز قيمة الاكتشاف من زاوية علمية أيضاً؛ فالعثور على كائن نادر يتيح للباحثين فرصة دراسة خصائصه وبيئته، بدلاً من اختزال الحدث في تكهنات عن كارثة مقبلة.
تشيلي بلد الزلازل.. لكن السمكة ليست جهاز إنذار
تقع تشيلي على منطقة التقاء صفائح تكتونية نشطة، حيث تنغرز صفيحة نازكا تحت صفيحة أميركا الجنوبية. وتؤدي هذه العملية إلى تراكم الإجهادات الجيولوجية التي قد تتحرر على شكل زلازل قوية.
ولهذا، فإن خطر الزلازل في تشيلي قائم لأسباب جيولوجية معروفة، بصرف النظر عن ظهور الأسماك المجدافية أو غيرها من الكائنات البحرية.
أما التنبؤ بزلزال محدد، من حيث موعده ومكانه وقوته، فلا يزال يتجاوز قدرات العلم الحالية على نحو موثوق. ولا يجوز التعامل مع ظهور السمكة بوصفه تحذيراً رسمياً أو أساساً لاتخاذ قرارات تتعلق بالسلامة.
الخلاصة: السمكة حقيقية، وظهورها نادر، لكن الإنذار الزلزالي الذي يربطه بها الموروث الشعبي لم تثبته الأدلة العلمية. وبين صورة تنتشر بسرعة على الإنترنت وحقيقة يمكن التحقق منها، تبقى الدراسات والبيانات الجيولوجية المرجع الأهم لفهم المخاطر الطبيعية.




