في أعماق المياه المضطربة لمضيق هرمز، حيث تتقاطع المصالح العسكرية مع شبح المواجهة المفتوحة، كشفت تقارير بريطانية عن سلاح أميركي غير تقليدي يعود من ظلال الحرب الباردة إلى واجهة الصراع الحديث: دلافين مدرّبة على كشف الألغام الإيرانية تحت الماء.
صحيفة “التلغراف” البريطانية سلطت الضوء على برنامج عسكري سري تابع للبحرية الأميركية، بدا الحديث عنه في البداية وكأنه مشهد من فيلم تجسس أو مزحة عابرة داخل أروقة البنتاغون. فقد سُئل الجنرال دان كين، أعلى مسؤول عسكري أميركي، خلال مؤتمر صحفي عمّا إذا كانت إيران تستخدم “دلافين انتحارية”، لكن السؤال الغريب فتح الباب أمام حقيقة أكثر إثارة: الولايات المتحدة نفسها تمتلك وحدة خاصة من الدلافين العسكرية المدربة منذ عقود.
القصة تعود إلى ستينيات القرن الماضي، حين اكتشف علماء أميركيون يدرسون قدرات الدلافين على تحديد المواقع بالصدى أن هذه الكائنات البحرية قادرة على رصد الأجسام المخبأة تحت الماء بدقة تفوق أحياناً أكثر الأنظمة التكنولوجية تطوراً. ومنذ ذلك الحين، بدأ برنامج سري لتدريب الدلافين على تنفيذ مهام بحرية معقدة، بعيداً عن أعين العالم.
لكن المهمة لم تكن يوماً تحويل هذه الحيوانات إلى أدوات انتحارية، كما راجت بعض الشائعات، بل استخدام ذكائها الفطري في أخطر ساحات الحرب البحرية: كشف الألغام القاتلة. فعندما تعثر الدلافين على جسم مشبوه في قاع البحر، تعود سريعاً إلى القارب لتنبيه المدربين عبر إشارات محددة، قبل أن تغوص مجدداً لتثبيت علامة أو حبل استرداد فوق الهدف، تمهيداً لتدخل فرق الغواصين وخبراء المتفجرات.
ورغم انتهاء الحرب الباردة منذ عقود، لم تتوقف هذه الوحدات عن العمل. فما تزال الدلافين تتدرب قبالة سواحل سان دييغو الأميركية، وسط استعدادات دائمة لسيناريوهات قد تنفجر في أي لحظة، خصوصاً في مضيق هرمز، الشريان النفطي الأخطر في العالم، حيث تتهم واشنطن طهران بزرع ألغام بحرية تهدد الملاحة الدولية.
سرية البرنامج استمرت سنوات طويلة، ولم يُكشف عنه رسمياً إلا عام ۱٩٨٩، بعدما نجح صحفيون ألمان في تصوير عمليات الدلافين التابعة للبحرية الأميركية سراً، لتتحول القصة من إشاعات غامضة إلى حقيقة عسكرية موثقة.
وخلال غزو العراق عام ٢۰۰٣، خرجت هذه الدلافين من الظل إلى قلب المعركة. فقد دفعت البحرية الأميركية بتسعة دلافين إلى ميناء أم قصر للمساعدة في إزالة الألغام البحرية، ما ساهم في فتح ممرات الشحن أمام قوات التحالف وإدخال المساعدات الإنسانية. ووفق الروايات العسكرية الأميركية، تمكنت هذه الوحدات من تحديد أكثر من مئة لغم وعائق تحت الماء.
اليوم، ومع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، يعود هذا السلاح البحري غير التقليدي إلى الواجهة مجدداً. فالألغام القاعية الإيرانية، المثبتة في أعماق المياه الضحلة والموحلة، تمثل أحد أكثر التهديدات تعقيداً أمام القوات البحرية الأميركية، خاصة في البيئات التي تفشل فيها أجهزة الرصد الحديثة بسبب ضعف الرؤية وتشابك التضاريس البحرية.
ورغم رفض القيادة المركزية الأميركية تأكيد أو نفي نشر الدلافين في مضيق هرمز، فإن المؤشرات توحي بأن هذه الكائنات الذكية قد تكون بالفعل في قلب العمليات السرية الجارية تحت سطح المياه.
هكذا، تحوّل سؤال ساخر في مؤتمر للبنتاغون إلى كشف مذهل عن واحدة من أغرب وأكثر القدرات العسكرية فاعلية في الحروب الحديثة… حيث قد تحسم الدلافين معركة بحرية في أخطر ممر مائي على وجه الأرض.




