لم يعد من الممكن قراءة التناقض المستمر في تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الحرب على إيران كحالة من “الارتباك السياسي” أو “الشعبوية العفوية”. فالتكرار الممنهج لهذا النمط، وتوقيته الدقيق، والنتائج المالية الفورية التي يترتب عليها، تشير إلى ما هو أبعد من ذلك: الخطاب السياسي هنا لا يصف الحرب فحسب، بل يدير حركتها المالية.
نمط التذبذب: الميدان ثابت والخطاب متغيّر
منذ اندلاع العمليات العسكرية في 28 شباط، تحول خطاب ترامب إلى “مؤشر سوق” بامتياز. فكل انتقال من التهدئة إلى التصعيد، والعكس، يتبعه تحرك حاد في أسعار النفط والذهب والأسهم خلال دقائق.
- بداية الحرب (28 شباط): قفز النفط من مستويات 75 دولاراً إلى 118 دولاراً (زيادة بـ 64%)، وهو أمر متوقع في ظروف الحرب.
- منعطف 23 آذار: أعلن ترامب تأجيل ضرب منشآت الطاقة، فهبط النفط 15% فوراً. المثير للريبة هنا ما وثقته “رويترز” عن تداولات بقيمة 500 مليون دولار نُفذت قبل 15 دقيقة فقط من نشر التغريدة الرئاسية.
- ثنائية 1 نيسان: في غضون ساعات قليلة، انتقل ترامب من “خروج سريع من إيران” (هبط النفط إلى 101 دولار) إلى “توسيع الضربات” (قفز النفط فوق 107 دولارات).
هذه التقلبات لم تكن مدفوعة بتغيرات عسكرية على الأرض، بل بتغيرات في “النص السياسي“ الصادر عن البيت الأبيض.
الدائرة الضيقة: السياسة في خدمة الاستثمار؟
تكتسب هذه التقلبات وزناً أخلاقياً وقانونياً حساساً عند ربطها بالتحركات المالية للدائرة المحيطة بترامب. فرغم أن بعض المعلومات حول استثمارات نجله “بارون” في سوق النفط لا تزال غير مثبتة رسمياً، إلا أن هناك وقائع موثقة أخرى:
- قطاع المسيّرات: قبل الحرب بأيام، دخل “إريك ترامب” في صفقة اندماج بمليار ونصف المليار دولار لإدراج شركة “XTEND” الإسرائيلية للمسيّرات، بمشاركة شركة مرتبطة بـ “دونالد ترامب الابن”. هذا القطاع هو الرابح الأكبر من التصعيد الحالي.
- صناديق الدفاع: كشفت “فايننشال تايمز” عن محاولات لترتيب استثمارات في صناديق دفاعية مرتبطة بوزير الدفاع بيت هيغسيث قبيل الحرب.
- الرهانات المسبقة: تسجيل تداولات ضخمة تسبق الإعلانات الرئاسية بدقائق يوحي بوجود “تسريبات” أو قدرة على التنبؤ بتوقيت صدور التصريح.
الخلاصة: إعادة تعريف المشهد
في عهد ترامب، لم يعد التناقض خللاً في الرسالة، بل يبدو كأنه جزء من استراتيجية إدارة المشهد. الخطاب يتبدل، الأسعار تضطرب، الأرباح تُوزع بسرعة قياسية، ثم يعود الخطاب ليتغير مرة أخرى.
بينما ينشغل العالم بمتابعة التحركات العسكرية في مضيق هرمز، يبدو أن “الحرب الحقيقية” التي تُدار بدقة هي حرب الأرقام في البورصات العالمية، حيث يمتلك الرئيس الأميركي وحده “جهاز التحكم” في رفع وخفض قيمة الأصول بكلمات معدودة.
المصدر: “النهار”




