بعد أسابيع من اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، يبرز تحليل يطرح تساؤلات عميقة حول طريقة تفكير القيادتين الأمريكية والإسرائيلية، ومدى إدراكهما لطبيعة المجتمعات التي تسعيان للتأثير عليها.
يُطرح سؤال جوهري: هل تقف الولايات المتحدة على أعتاب كارثة شبيهة بما شهدته أوروبا عام 1914؟ فبالرغم من امتلاك قادة الحرب أدوات تدمير متطورة تقنيًا، إلا أنهم يبدون عاجزين عن فهم الإنسان، بما يحمله من كبرياء وذاكرة تاريخية ودوافع دينية وثقافية.
انطلقت الحرب من فرضية أن تصفية القيادات الإيرانية، والسيطرة الجوية، وتدمير البنية التحتية، كفيلة بإسقاط النظام في طهران وتحقيق حسم سريع. لكن الواقع خالف هذه التوقعات؛ إذ تمكنت إيران، رغم الضغوط، من تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وتوسيع نطاق التداعيات الاقتصادية، ما دفع واشنطن إلى طلب دعم حلفائها بعد أن كانت تتوقع حربًا قصيرة وحاسمة.
ورغم الإغراء بوصف ما حدث بأنه إخفاق استخباراتي، فإن الأجهزة المعنية نفذت عمليات معقدة على مدى سنوات، شملت اختراق شبكات الاتصالات واستخدام تقنيات متقدمة كالذكاء الاصطناعي، ما وفر كمًا هائلًا من البيانات الدقيقة. غير أن المشكلة لا تكمن في نقص المعلومات، بل في محدودية القدرة على تفسيرها إنسانيًا.
فالأنظمة المتقدمة، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع فهم معنى الفقد أو أثر الضربات على المجتمعات، لأنها ترصد السلوك دون استيعاب دوافعه العميقة كالخوف والانتماء والولاء. ومن هنا، تتكرر أخطاء استراتيجية، أبرزها الاعتقاد بأن الضغط العسكري سيؤدي إلى انهيار داخلي، بينما تظهر التجارب أن الهجمات الخارجية غالبًا ما تعزز تماسك المجتمعات وتزيدها إصرارًا على المقاومة.
ويبرز هنا دور التاريخ والأدب في تفسير سلوك البشر، إذ إن الحروب ليست مجرد حسابات تقنية، بل تتداخل فيها العاطفة والمعتقد والذاكرة الجمعية والرغبة في الانتقام. وتؤكد أمثلة تاريخية متعددة أن التفوق المعرفي أو العسكري لا يكفي لفهم الشعوب أو السيطرة عليها.
التحذير الأبرز يتمثل في خطورة إدارة الحروب الحديثة المتقدمة تقنيًا بعقلية تفتقر إلى فهم التعقيد الإنساني؛ إذ قد يجيد القادة الحديث عن القدرات العسكرية والخطط الزمنية، لكنهم يعجزون عن تفسير مشاعر مثل الغضب أو الإهانة أو الولاء، ليكتشفوا متأخرين أن هذه العوامل لا تقل تأثيرًا عن السلاح نفسه.
في المحصلة، الحرب ليست مجرد صواريخ وخرائط واستهداف دقيق، بل صراع على الوعي والذاكرة والثقافة. وتجاهل هذه الحقيقة قد يدفع الدول إلى كوارث غير متوقعة، على غرار ما حدث في أوروبا عام 1914 مع اندلاع الحرب العالمية الأولى.
فالدرس لا يكمن في غياب الثقافة، بل في تراجع دورها أمام أنظمة تخلط بين وفرة المعلومات وعمق الفهم، وبين السرعة في اتخاذ القرار والحكمة في تقدير العواقب. ومنذ زمن بعيد، نُبّه إلى خطورة اختزال الحرب في معادلات حسابية؛ فهي، في جوهرها، مزيج من العاطفة وعدم اليقين والأهداف السياسية ؛ وهو واقع لا يزال قائمًا حتى اليوم، رغم تطور الأدوات وتعقّد الحسابات.
المصدر: نيويورك تايمز





