بينما اتجهت الأنظار إلى مشاركة الرئيس سعد الحريري في إفطار دار الفتوى، بما يحمله حضوره من رمزية على الساحة القيادية السّنية، تركزت التوقعات حول إمكان أن يشكّل اللقاء مناسبة لتقاطع سياسي أو حتى مصافحة عابرة مع السفير السعودي وليد البخاري. غير أن مجريات المناسبة أظهرت أن حجم التباعد السياسي كان أعمق من أن تختصره لفتة بروتوكولية في مناسبة دينية جامعة.
اللافت في المشهد كان مغادرة الحريري برفقة رئيس مجلس النواب نبيه برّي، ما أعاد تسليط الضوء على موقع برّي في المشهد السّني، ودوره المتقاطع تاريخياً مع القيادات التي تولّت رئاسة الحكومة. فقد نسج برّي، على مدى عقود، علاقات متفاوتة مع رؤساء الحكومات، تراوحت بين الشراكة السياسية العميقة والتنسيق الذي فرضته ضرورات الحكم، وصولاً أحياناً إلى علاقات خلت من الإنسجام الشخصي.
في هذا السياق، تبدو العلاقة بين بري والحريري ذات طابع خاص، تعود جذورها إلى ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، حيث تطورت من تعاطف سياسي إلى علاقة شخصية متينة مع الإبن. ويظهر أن هذا الود متبادل، إذ يعكس تقاربهما استعادة لمرحلة سياسية شكّلت فيها «الحريرية» أحد أعمدة المعادلة الوطنية.
ورغم خصوصيّة هذه العلاقة، لم يحل ذلك دون إقامة برّي علاقات أخرى مع رؤساء حكومات، تفاوتت طبيعتها. فقد سادت البرودة العلاقة مع حسّان دياب، كما تبدو محدودة الكيمياء السياسية حالياً مع نوّاف سلام، على الرغم من استمرار الحد الأدنى من التنسيق بين ساحة النجمة والسراي الحكومي، ولو عبر تسويات ظرفية في ملفات كقانون الإنتخاب أو الفجوة المالية.
في المقابل، اتسمت علاقة بري بالرئيس نجيب ميقاتي بطابع مختلف، إذ وُصفت في مراحل معينة بأنها وثيقة إلى حد أثار امتعاضاً في الشارع السّني، الذي رأى فيها مساساً بصلاحيات رئاسة الحكومة.
خروج الحريري في سيارة واحدة مع بري فتح باب التأويلات حول الرسائل الكامنة خلف المشهد: هل هي إشارة سياسية في ضوء الفتور السعودي؟ أم تمهيد لتحالفات انتخابية عابرة للطوائف؟ أم مجرد لقاء طبيعي بين حليفين قديمين بعيداً عن قراءات المبالغة؟
التساؤلات انسحبت أيضاً على بري، لا سيما أن المرافقة إلى عين التينة واللقاء المطوّل هناك حملا دلالات سياسية واضحة، في ظل غياب أي لقاء للحريري مع رئيس الجمهوريّة أو رئيس الحكومة في المناسبة نفسها.
المؤكد أن الخطوة لم تكن عفوية، بل منسّقة مسبقاً، وأُحيطت بتبريرات أمنية لم تقنع كثيرين. وتشير المعطيات إلى أن النقاش تناول الأوضاع العامة والإستحقاق الإنتخابي، خصوصاً في ضوء ما أعلنه الحريري في خطاب 14 شباط بشأن «عدّ الأصوات». وقد التقط بري هذه الإشارة، ما يعزز فرضية إمكان قيام تحالفات إنتخابية تفضي إلى كتلة نيابية وازنة مدعومة من الحريري، حتى وإن لم يترشح شخصياً، إذ لا يبدو في وارد خوض المعركة مباشرة، لكنه لن يقف عائقاً أمام مرشحي تياره.
ويبقى كل ذلك رهناً بمسار الانتخابات المقبلة، إن جرت، وبما ستفرزه من توازنات تعيد رسم خريطة الزعامة السنية ودور برّي في مقاربتها.
كتبت سابين عويس في جريدة النهار.




