
لم تعد السيارة الحديثة مجرد وسيلة نقل، بل تحوّلت إلى منصة رقمية متصلة تختزن كمّاً هائلاً من البيانات. هذا التحول أفرز مجالاً جديداً يُعرف بـ“استخبارات السيارات” (CARINT)، حيث تُستخدم المركبات كمصدر معلومات أمني واستخباراتي.
وكشف تحقيق لصحيفة “هآرتس” أن شركات إسرائيلية تؤدي دوراً متقدماً في هذا القطاع، عبر تطوير أدوات تتراوح بين التتبع وتحليل البيانات ووصولاً إلى قدرات اختراق متطورة. ويستند هذا النشاط إلى البنية الرقمية للسيارات الحديثة المزوّدة بأنظمة ملاحة وترفيه، وحساسات متعددة، واتصال دائم عبر شرائح SIM، ما يتيح تتبع المواقع وتحليل أنماط الحركة وربط المركبات بأجهزة أخرى كالهواتف الذكية.
ومن أبرز الجهات الناشطة في هذا المجال شركة Toka، التي شارك في تأسيسها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك إلى جانب ضابط سيبراني سابق. وتشير معطيات إلى أن الشركة طورت أدوات قادرة على اختراق أنظمة الوسائط في سيارات محددة، وتتبعها في الزمن الحقيقي، مع إمكانية الوصول إلى الميكروفونات أو الكاميرات المرتبطة بها. وبحسب ما نُشر، كانت هذه المنتجات تُعرض على عملاء محتملين بموافقة وزارة الدفاع الإسرائيلية، إلا أن الشركة تؤكد أنها لم تعد تدرجها ضمن خططها لعام 2026.
في المقابل، تعتمد شركات أخرى مقاربة قائمة على دمج البيانات بدلاً من الاختراق المباشر. ومن بينها Rayzone، التي طورت حلولاً لتتبع المركبات عبر تحليل بيانات الموقع والاتصالات اللاسلكية وربطها بكاميرات الطرق وقواعد بيانات رسمية. ويُسوّق أحد منتجاتها عبر شركة فرعية تُدعى TA9، ضمن منظومة متكاملة توفّر ما تصفه بـ“تغطية استخباراتية شاملة”.
كما برزت شركة Ateros، المرتبطة بشركة Netline المتخصصة في تقنيات الاستخبارات العسكرية، والتي تعرض أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لدمج بيانات المركبات مع مصادر أخرى، مثل بيانات الاتصالات ولوحات التسجيل. وتشمل تقنياتها حساسات مدمجة داخل المركبات، حتى في الإطارات، بما يتيح إنشاء “بصمة رقمية” فريدة قابلة للتتبع.
ولا يقتصر هذا التوجه على إسرائيل. ففي الولايات المتحدة، تطلب جهات مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الأمن القومي بيانات من شركات السيارات، على غرار ما يجري مع شركات التكنولوجيا. كما تستخدم شركات تحليل بيانات كبرى بيانات مرتبطة بالمركبات ضمن أنظمة دمج معلومات أوسع، فيما توفّر شركات متخصصة أدوات استخراج بيانات تُستخدم في التحقيقات الجنائية. أما في الصين، فتُلزم القوانين مصنّعي السيارات بنقل بيانات المركبات إلى السلطات، ما يعكس البعد الجيوسياسي المتنامي لهذا القطاع.
ويشير التقرير إلى أن تطور أدوات تحليل البيانات خفّف الحاجة إلى اختراق المركبات مباشرة، إذ بات بالإمكان جمع معلومات واسعة عبر دمج مصادر متعددة. غير أن هذا المسار يثير مخاطر متزايدة، إذ يمكن للبيانات التي تبثها السيارات كشف تفاصيل دقيقة عن حياة الأفراد، من تحركاتهم اليومية إلى الأماكن التي يرتادونها. وتذهب بعض التقديرات إلى أن الاهتمام لا يقتصر على التتبع، بل يشمل إمكان تعطيل المركبات عن بُعد، ما يطرح تساؤلات تتجاوز الخصوصية إلى السلامة الجسدية.
في المحصلة، تعكس “استخبارات السيارات” تحوّلاً أعمق في طبيعة التكنولوجيا المعاصرة، حيث تتحول الأدوات اليومية إلى مصادر بيانات استراتيجية. ومع تسارع رقمنة قطاع النقل، يتوقع أن يتعزز الجدل حول التوازن بين الابتكار وحماية الخصوصية، في ظل اتساع نطاق المراقبة الرقمية بوتيرة غير مسبوقة.

صورة توضيحية أوردتها صحيفة «هآرتس» ضمن تحقيقها





